وَتَرْك الاعتراض، فَكَم بَيْن تَكْلِيْف الْبَدَن وَّتَكْلِيْف الْعَقْل؟ وَلَو شَرَحْت هَذَا لَطَال غَيْر أَنِّي أَعْتَذِر عَمَّا قُلْته فَأَقُوْل عَن نَّفْسِي وَمَا يَلْزَمُنِي حَال غَيْرِي إِنِّي رَجُل حُبِّب إِلَي الْعِلْم مِن زَمَن الَّطُفُوْلَة فَتَشَاغَلْت بِه، ثُم لَم يُحبَبَ إِلَي فَن وَاحِد مِنْه بَل فُنُوْنُه كُلَّهَا، ثُم لَا تَقْتَصِر هِمَّتِي فِي فَن عَلَى بَعْضِه بَل أَرُوْم اسْتِقْصَاءه وَالْزَّمَان لَا يَسْعَى وَالْعُمْر أَضْيَق وَالْشَّوْق يَقْوَى، وَالْعَجْز يُظْهِر فَيَبْقَى وُقُوْف بَعْض الْمَطْلُوْبَات حَسَرَات, ثُم إِن الْعِلْم دَّلَّنِي عَلَى مَعْرِفَة الْمَعْبُوْد وَحَثَّنِي عَلَى خِدْمَتِه، ثُم صَاحَت بِي الْأَدِلَّة عَلَيْه إِلَيْه فَوَقَفْت بَيْن يَدَيْه فَرَأَيْتُه فِي نَعْتِه وَعَرَفْتُه بِصِفَاتِه وَعَايَنْت بَصِيْرَتِي مِن أَلْطَافِه مَا دَعَانِي إِلَى الْهَيْمَان فِي مَحَبَّتِه، وَحَرَّكَنِي إِلَى الْتَّخَلِّي لِخِدْمَتِه وَصَار يَمْلِكُنِي أَمَرٌ كَالوَجد كُلَّمَا ذَكَرْتُه، فَعَادَت خَلْوَتِي فِي خِدْمَتِي لَه أَحْلَى عِنْدِي مِن كُل حَلَاوَة, فَكُلَّمَا مَلّت إِلَى الانْقِطَاع عَن الْشَّوَاغِل إِلَى الِخْلوَة صَاح بِي الْعِلْم أَيْن تَمْضِي؟ أَتَعَرَّض عَنِّي وَأَنَا سَبَب مَعْرِفَتِك بِه؟).
من بركات العلم أنه يدل علي معرفة المعبود: كنا وصلنا إلى هذا المقطع، يقول ابن الجوزي: أن من بركات العلم أنه دله على معرفة معبوده وإذا كان العلماء يقولون الإيمان بالشيء فرع عن تصوره، فلاشك أن الناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في التصور ومن ثم يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في الإيمان.