فَهِمْت صِدْق هَذِه الْمَقَالَة، تَهُوَست عَلَى تِلْك الْحَالَة وَكُلَّمَا تَشَاغَلْت بِجَمْع الْنَاس تُفَرِّق هَمِّي، وَإِذَا وَجَدْت مُرَادِي مِن نَفْعِهِم، ضَعُفَت أَنَا فَأَبْقَى فِي حَيِّز الْتَّحَيُّر مُتَرَدِّدَا لَا أَدْرِي عَلَى أَي قَدَمَيْن أَعْتَمِد، فَإِذَا وَقَفْت مُتَحَيِّرَا صَاح الْعِلْم: قُم لِكَسْب الْعِيَال وَأَدْأَب لِتَحْصِيْل وُلِد يَذْكُر الْلَّه، فَإِذَا شرعتَ فِي ذَلِك قُلُص ضَرْع الْدُّنْيَا وَقْت الْحَلَب، وَرَأَيْت بَاب الْمَعَاش مَسْدُوْدَا فِي وَجْهِي لِأَن صِنَاعَة الْعِلْم شَغَلَتْنِي عَن تَعَلُّم صِنَاعَة، فَإِذَا الْتَفَت إِلَى أَبْنَاء الْدُّنْيَا رَأَيْتَهُم لَا يَبِيْعُوْن شَيْئا مِن سِلَعِها إِلَا بِدَيْن الْمُشْتَرِي، وَلَيْت مَن نافَقَهُم أَو رَاءاهُم نَال مِن دُنْيَاهُم، بَل رُبَّمَا ذَهَب دِيْنُه وَلَم يَحْصُل مُرَادُه.
فَإِن قَال الْضَّجَر: اهْرَب، قَال الْشَّرْع: وَكَفَى بِالْمَرْء إِثْما أَن يُضَيِّع مَن يَقُوْت، وَإِن قَال الْعَزْم انْفَرَد قَال: فَكَيْف بِمَن تَعُول؟ فَغَايَة الْأَمْر أَنَّنِي أَشْرَع فِي الْتَقَلُل مَن الْدُّنْيَا وَقَد رُبَيْت فِي نَعِيْمِهَا وغُزَّيت بِلِبَانِهَا و لَطُفَ مِزَاجِي فَوْق لُطْف وَضَعَه بِالْعَادَة، فَإِذَا غُيِّرَت لِبَاسِي وَخَشَنتُ مَطْعَمِي لِأَن الْقُوَت لَا يَحْتَمِل الْانْبِسَاط- عَلَى أَسَاس أَنَّه فَقِيْر لَيْس مَعَه- نَفَر الْطَّبْعُ لِفِرَاق الْعَادَة فَحْل الْمَرَض فَقَطَعَ عَن وَاجِبَات وَأَوْقَع فِي آَفَات وَمَعْلُوْم أَن لَيِّن الْلُّقْمَة بَعْد الْتَّحْصِيْل مِن الْوُجُوْه الْمُسْتَطَابَة ثُم تَخَشِيْنْهَا لِمَن لَم يَأْلَف سَعْي فِي تَلَف الْنَّفْس فَأَقُوْل كَيْف أَصْنَع؟ وَمَا الَّذِي أَفْعَل؟ وَأَخْلَوُا بِنَفْسِي فِي خَلَوَاتِي وأَتَزِيد مِن الْبُكَاء عَلَى نَقْص حَالَاتِي، وَأَقُوْل: أَصِف حَال الْعُلَمَاء وَجِسْمِي يَضْعُفُ عَن إِعَادَة