افتراق وهذا حق، والافتراق من الابتلاء، والحق لا يتبين إلا بضده، والله سبحانه وتعالى كتب منذ الأزل ألا يبقى على الحق إلا الأقلون، وعلى هذا فإن القول بوقوعه الافتراق لا يعد إساءة ظن بالأمة، بل هو أمر واقع لابد من الاعتراف به، ولابد من تصديق خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه كما أخبر، وكون الافتراق يقع في الأمة لا يعني أن الإنسان يسلم بالأمر الواقع، أو يزعم أن المفارقة مشروعة، أو يرضى بأن يفارق أو لا يتحرى الحق ولا يبحث عنه استسلامًا لقدر المفارقة، بل إن وقوع الافتراق هو دافع لكل مسلم بأن يتحرى الحق ويستمسك به، ويعرف الشر ليحذره ويتجنب مسالكه، وليعلم أن الحق لابد متحدد في نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي نهج صحابته، ونهج السلف الصالح.
الخطأ الثاني: وهو قد يتخذ ذريعة للمفارقة، وهو يقابل الخطأ الأول بالتمام وهو اعتقاد أن المفارقة ما دامت أمرًا واقعًا فهذا يعني أن الأمة تقع فيه برضىً وتسليم، وأنه يشرع للدعاة أن يرضوا بواقع الافتراق ويسلموا به، وأن يقبلوا هذا الضلال دون أن يسعوا لعلاجه، وأنه لا يضر المسلم أن يكون مع أي فريق كان؛ لأن المفارقة أمر واقع، فعلى المسلم أن يذهب مع من يعجبه من أهل الأهواء وأهل الفرق، أو يتعاطف معهم، أو يسعى لجمعهم على ما هم فيه من افتراق.