الصفحة 33 من 33

لأنه كاذبٌ ومُفْتَرٍ، وقد اتهم القدوة المعصومين، فاستحق مضاعفة العقاب.

ولا يصلحُ حالُ أمةٍ، ولا يصلح حالُ شبابها، وشاباتها، ورجالها، ونسائها، إلاَّ حين يتخذون هؤلاء الرُّسل والأنبياء المعصومين أسوةً وقدوةً، وأن يروا فيهم الكمال، والجمال، فإذا أساؤوا بهم الظَّنَّ انزلقوا إلى مهاوي المعصية والضلالة، فضلّوا، واستحقوا شديد العقاب.

وأذكرُ أنَّ أحدَ الطُّلاب سألني أيضًا يقول: في سورة فاطر [8] :

{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}

فإذا كان الله تعالى قد زيَّن لهم المنكرات ليفعلوها، وأخبر أنَّه يضل من يشاء، فما ذنبهم إن فسدوا أو ضلّوا؟

فقلت له: على رسلك يا بني! فالآية تحتاجُ إلى تفسير دقيق وعميق، نرجع في ذلك إلى القرآن الكريم نفسه، مستخدمين اللغة العربية لتوضيح ما التبسَ فهمُه عليك، وذلك يتطلَّبُ منا البحثَ في ثلاثة أمور نتساءل فيها:

1 -أين الخبرُ في الآية؟

والجواب تدلُّنا عليه سورة محمد [14] :

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}

والخبر هنا (الكاف) في (كمن) أي: هل المهتدي مثل الضال؟! والخبرُ في آية فاطر محذوف تقديره: (كمن كان على بينة من ربه) أي: هل الضال مثل المهتدي؟. والكاف اسم بمعنى مثل.

وفي سورة الملك [22] ذُكر الخبر صريحًا واضحًا:

{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

فكلمة (أهدى) في الآية هي الخبر.

ويساعدنا على فَهْم المحذوف في سورة فاطر آية سورة القلم [35 - 36] :

{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ*}

إلا أنَّ الكاف - هنا - هي المفعول الثاني لفعل نجعل، أي: أنسوِّي بين الطيب والخبيث؟ بين المحق والمبطل؟ فنجعل المسلمَ مثل المجرم، ما لكم كيف تقبلون بهذه التسوية الجائرة الباطلة؟! واللهُ يقولُ الحقَّ، ويحكمُ بالعدل.

2 -من المزيِّن في الآية؟

تجيبنا عن ذلك آية سورة النحل [63] :

{فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}

وآية سورة النمل [24] :

{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}

فالشيطانُ هو الذي يُزيِّن السُّوءَ لأتباعه، فيزينونَ السوءَ للناس. ففي سورة الأنعام [137] :

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} .

و {شركاؤهم} هي فاعل {زَيّن} وهم أعوانُ الشيطان. ذلك أن الله يُزَيِّن للخير لا للشر، ففي سورة الحجرات [7] :

{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}

وأما آية سورة آل عمران [14] :

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}

فهو تزيينٌ للخير ولإعمار الكون بأناسٍ يُوحِّدون الله تعالى، ويفعلون الواجبات، ويؤدُّون الحقوقَ، وينشرون الفضائلَ، ويُتَمِّمون مكارم الأخلاق، لهم ذرية صالحة، وبنون أبرار، يتابعون السيرَ على طريق الإيمان، والحق، والفضيلة، مستخدمين وسائل العيش من ذهب، أو فضة، وخيل، وأنعام، وما تنبت الأرضُ من نباتٍ، وشجر، وثمر، فهو متاعُ هذه الحياة الدنيا، فمن تزوَّج كما أمر الله، واستخدم نِعَمَهُ في الوجوه المشروعة، فقد فاز بما عند الله من حُسْن المآب.

وإذا تلوتَ من سورة آل عمران الآيات التي بَعْد هذه الآية، رأيتَ دليلًا واضحًا على هذا.

وفي الحديث الشريف: «وفي بُضْع أحدكم صدقةٌ» قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوته ويكتب له بذلك أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أليس عليه في ذلك وزر؟» قالوا: بلى. قال: «كذلك إذا وضعها في حلال، فإنَّ له بذلك أجرًا» [1] .

وأما قولُه تعالى في سورة النمل [4] :

{إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ}

فهو مجازٌ على حدِّ قول الله تعالى:

{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]

أي: عندما أصرّوا على الزَّيغ والضلال، وقد عرفوا الحقَّ والهدى، وعندما اتَّبَعوا خطوات الشَّيطان، الذي زيَّن لهم أعمالهم الفاسدة، وأعرضُوا عن صوت الحق وضيائه، سمحنا بزيغهم وتأثير الشيطان عليهم؛ لأنهم اتَّبعوه راضين، فهم الغاوون، فأردنا لهم ما أصرّوا عليه من الزيغ، والفساد؛ لئلا يقعَ شيءٌ إلا بإرادتنا:

{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]

وآية الصف [5] :

{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}

تدلُّ على هذا بوضوحٍ، ويدعمها قولُه تعالى في سورة آل عمران [178] :

{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}

وفي سورة مريم [75 - 76] :

{قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا}

3 -ما معنى قوله تعالى:

{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8]

الجوابُ يقودُنا إلى البحث في الضمير، وإلى أين يعود والقاعدةُ النحوية تقولُ: يعودُ الضمير إلى أقرب مذكور قبله، ما لم يصرفه صارفٌ إلى غيره بقرينة.

فقولُه تعالى في سورة يوسف [23] :

{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [2] .

يعود الضميرُ في {إنه ربي} على الله تعالى، وهو أقربُ مذكور في الآية، ولا يعود على زوجها إذ لا قرينة تصرفه إلى زوجها. ثم إنَّ سيِّدَنا يوسف عفَّ عنها خَوفًا من الله تعالى، لا مراعاةً لشأن زوجها الذي

(1) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

(2) ارجع إلى كتابي: «نظرات في كتاب الله تعالى» تجدْ فيه بحثًا مقنعًا مرضيًا عن سيدنا يوسف عليه السلام وعفَّته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت