بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونتوب إليه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، مَنْ يهده الله، فلا مُضِلّ له، ومَنْ يُضْلِل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
قال تعالى {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سورة آل عمران، آية 186] ، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران، آية 200] ، و قال تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سورة البقرة، آية 286] ، وقال تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن، آية 16] .
أما بعد:
فهذا كتاب قُمتُ بإعداده يتحدث عن نظرة كل من الشرع والطب النفسي للوسوسة، وقد ذيلته بملحق جمعت فيه عددًا من تراجم علماء ابتلوا بالوسوسة، وحرصتُ في هذا الكتاب على التركيز على الوسوسة الدينية المرضية التي تُعرَف عند الأطباء النفسيين بعصاب الوسواس القهري الديني ذاك الداء الفظيع، وقد دفعني إلى إعداد هذا الكتاب أن الكثير من المصابين بمرض الوسواس القهري، وذويهم يفتقرون إلى المعلومات الصحيحة عن هذا الداء، وعن كيفية علاجه، فتراهم حينًا يعدون الموسوس مجنونًا، وحينًا يعدونه ممسوسا ً، أو مسحورًا، أو محسودًا، وهذا كله يزيد المشكلة سوءًا، وتعقيدًا، إذ قد يلجأ الموسوس بدافع من نفسه أو ذويه إلى الدجالين والمشعوذين، لكن إذا وقفنا على التشخيص الصحيح لهذه الوسوسة، وعرفنا أسبابها، فهذا يعني بالضرورة أننا نضع أقدامنا على الطريق الصحيح للعلاج، بالإضافة إلى أنني في أثناء تصفحي للإنترنت وجدت معلومات قيّمة حول هذا الموضوع تستحق أن تجمع في كتاب واحد، فأرجو أن يجد المبتلى في ثنايا هذا الكتاب ما يثلج صدره، ويكون له عونًا في ابتلائه.
هذا وقد وضع عدد من العلماء مصنفات خاصة تعنى بالوسوسة، أو أفردوها بمبحث خاص في كتبهم، أذكر منها على سبيل المثال: كتاب التبصرة في ترتيب أبواب للتمييز بين الاحتياط والوسوسة على مذهب الإمام الشافعي، للجويني (ت 438 هـ) ، إحياء علوم الدين، للغزالي (ت 505 هـ) ، تلبيس إبليس، لابن الجوزي (ت 597 هـ) ، رسالة ذم الموسوسين تقع في ستة فصول، لابن قدامة المقدسي (ت 620 هـ) ،