الصفحة 19 من 26

وهو على طهارة أما في حالة الضرورات حين إذن يستفتى العلماء في وقتها" [1] "

قلت والذي يترجح لي والعلم عند الله تعالى التفريق بين الحدث الأكبر والأصغر، فمن حدثه أكبر كالحائض والنفساء والجنب فالطهارة شرط ما لم تكن هناك ضرورة قصوى بالنسبة للحائض والنفساء لما سيأتي إيضاحه، أما من حدثه أصغر أو طاف نجسًا فالطهارة واجبة لا شرط فيصح طوافه، وهل يجبره بدم؟ أرى أنه إن ترك الطهارة لعذر أن لا شيء عليه لعذره ولأنه في الحقيقة لم يترك نسكًا فقد جاء به لكنه على غير طهارة، أما إن ترك الطهارة لغير عذر فالقول بوجوب الدم عليه قوي متجه.

هذا وقد قلت بهذا التفريق بناءً على ما فهمته من الأدلة السابقة، ذلك أنّ دلالة اشتراط الطهارة من الحيض والنفاس لصحة الطواف جاءت بأحاديث صريحة وصحيحة، ويقاس على الحائض والنفساء الجنب بجامع الحدث الأكبر في الكل.

أما الطهارة فيما عدا ذلك فالأحاديث ليست صريحة في اشتراطها، توضيح هذا التفريق ما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة حيضها والمخرج في الصحيحين والذي فيه قوله _صلى الله عليه وسلم_:"افعلي ما يفعله الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"وفي رواية لمسلم"حتى تغتسلي"، فهذا الحديث صريح في اشتراط الطهارة من الحيض لصحة الطواف، لأنه _صلى الله عليه وسلم_ نهاها عن الطواف حتى تطهر وتغتسل معًا.

وجاء في الصحيحن أيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت:"حججنا مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي _صلى الله عليه وسلم_ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت يا رسول الله إنها حائض، قال:"حابستنا هي"وفي رواية"أحابستنا هي"قالوا يا رسول الله أفاضت يوم النحر قال:"اخرجوا"وفي رواية لمسلم"فلتنفر"وفي رواية"فلتنفر معكم" [2] ."

فهذا الحديث صريح في أن صفية لو لم تطف طواف الإفاضة لكان حيضها مانعًا وحابسًا للرسول _صلى الله عليه وسلم_ حتى تطهر، وهذا يدل على اشتراط طهارة الحائض لصحة الطواف، ويقاس عليها النفساء والجنب كما تقدم.

أما الطهارة فيما عدا ذلك فالأحاديث ليست صريحة في اشتراطها لصحة الطواف إذ غاية ما استدل به على ذلك هو وضوء النبي _صلى الله عليه وسلم_ قبل طوافه وهو غير صريح في اشتراط الطهارة كما تقدم بيانه في مناقشة الاستدلال به.

كما استدلوا بحديث ابن عباس"الطواف بالبيت صلاة"وهو على فرض صحته مرفوعًا ليس صريحًا في اشتراط الطهارة أيضًا بل الاستدلال به ضعيف فإن غايته أن يشبه بالصلاة في بعض الأحكام، وليس المشبه كالمشبه به من كل وجه، وقد تقدم تفصيل ذلك في مناقشة الاستدلال به.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم دليل أصلًا، وما روي أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لما طاف توضأ"فهذا لا يدل فإنه كان يتوضأ لكل صلاة [3] .

هذا ما ترجح لي في هذه المسألة، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

(1) انظر شرح بداية المجتهد لابن رشد الحفيد قام بشرحها الشيخ الدكتور محمد بن حمود الوائلي رحمه الله وهي عبارة عن تسجيل صوتي عبر الدروس التي كان يلقيها في المسجد النبوي الشريف وهي موجودة في المكتبة الصوتية في المسجد النبوي

(2) صحيح البخاري 2/ 145 في (باب الزيارة يوم النحر) . وصحيح مسلم 4/ 93 وما بعدها في (باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض ...(غير واضح) .

(3) انظر: الاختيارات الفقهية من مجموع فتاوى ابن تيمية للبعلي المشهور بابن اللحام ص 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت