ويأتي البث المباشر في سياق الثورة التكنولوجية ظاهرة إعلامية متميزة لها دلالاتها وتأثيراتها المتعددة حيث القنوات التليفزيونية العربية الأجنبية بأنواعها وسياساتها المختلفة، دون حدود أو قيود وهو ما ساعد على تدفق المعلومات والثقافات المتنوعة التي قد تهدد الثقافات الوطنية وتجذب الجمهور إليها ويجعل مؤسساتنا الإعلامية مجرد ناقل للمعلومات والثقافات، ولعل هذا ما دفع"شيمون بيرز"ليقول عند توقيع اتفاقية القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1995 م"المعلومات أهم من المدفع"وهو ما دعا نتنياهو من بعده إلى التباهي والتفاخر بالتطور التكنولوجي المتواصل بعظمة وادي السيلكون الإسرائيلي الذي يربط بين مراكز البحث والتطوير المعلوماتي في مثلث (تل أبيب، القدس، حيفا) والذي لا يفوقه سوى وادي السيكلون الأمريكي حسب نتنياهو، وذلك للخروج من القلعة المحاصرة إلى دولة إسرائيل الكبرى بأعمدتها الأربعة: العقول الإسرائيلية، ونفط الخليج، والأيدي العاملة العربية وصناعاتهم التقليدية القذرة، والمياه التركية، وهو ما يتم ترويجه هذه الأيام في السياسة الأمريكية وهو ما يعرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير من الغرب إلى باكستان وهو ما كان دعا إليه شيمون بيرز في كتابه الشرق الأوسط الجديد ولعل هذا ما يفسر سيطرة الأموال اليهودية على الصناعة الإعلامية واحتكارها للمؤسسات الإعلامية الكبرى التي تسعى جاهدة لاحتكار مضمون الرسالة الإعلامية وتوجيهها للأسرة والشباب ومن ذلك القنوات الفضائية المتخصصة بالأغاني المصورة والبرامج الترفيهية المفتوحة بغير حدود أو قيود.
تقع المنطقة العربية في نطاق البث التليفزيوني للعديد من أقمار الاتصالات التي يمكنها من استقبال هذه القنوات التليفزيونية الفضائية بهوائيات صغيرة أو كبيرة للأفراد أو الجماعات أو للتوزيع الشامل. وبخاصة أن"إسرائيل"تطلق أقمارًا صناعية"عاموس"مما يزيد من حجم التأثير. فالرسالة الإعلامية عبر البث المباشر لا تحتاج إلى وسيط وهو ما كان تنبأ به"مارشال ماكلوهان"حول القرية الكونية VILLAGE Global. وهذا بالتالي ينعكس على مضمون الرسالة الإعلامية التي تتأثر بهذا الواقع المفتوح، فالمادة المعروضة إما مستوردة من الدولة الأجنبية أو من الإنتاج الخاص الذي في الغالب ما يكون إنتاجه لإشباع رغبات المشاهدين المستهلكين دون أن يكون ذلك متفقا مع احتياجات الدول التي تستوردها، وهو ما يحدث واقعا ملموسا ومشاهدا هذه الأيام عبر الإنتاج الغزير للأغاني المصورة والبرامج الترفيهية المتنوعة بأشكال مختلفة وهو موضوع هذه الدراسة.
انعكس هذا الواقع الإعلامي الجديد على المجتمع الفلسطيني الجديد الذي تحاصره قوات الاحتلال الإسرائيلية من كل جانب ولعل إقامة الجدار العنصري على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وما تنوي إقامته على الحدود المصرية الفلسطينية وغيرها حيث تقوم المستوطنات، وبالرغم من ذلك فإن البث التليفزيوني الوافد من كل اتجاه أجنبيا وعربيا ومحليا كغزو الأسرة الفلسطينية، فبالإضافة إلى القنوات الفضائية العربية والأجنبية بأنواعها وسياساتها، هناك ما يزيد عن خمسين إذاعة ومحطة تليفزيونية معظمها في الضفة الغربية ويقل عن عشرة في قطاع غزة والتي بدأت مسيرتها الأولى بعد تدمير وتفجير إذاعة صوت فلسطين في رام الله وغزة خلال الانتفاضة وبالتحديد 19/ 1/2003 م.
وبالرغم من خصوصية الحالة الفلسطينية الصعبة والتدفق الإعلامي المتعدد والاستجابة الطبيعية للمشاهدة والتفاعل مع البث الفضائي بأنواعه فلم يتأثر الانتماء الوطني للأسرة الفلسطينية، فقد أظهرت نتائج مسح الشباب لعام 2003 م تمسك الشباب الفلسطيني بالعمق العربي والإسلامي بنسبة 51.6% وأن الانتماء