الصفحة 4 من 25

إنَّ أعظمَ ما يحتج به مَن جعل ذلك له صنعةً ومَجْلبةَ مالٍ لا تَعَب فيه ولا نَصَبَ حديث قصة"اللديغ"الذي رُقي بسورة الفاتحة فشُفي، ففي «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رهطًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلقوا في سفْرَةٍ سافروها حتى نزلوا بحيٍّ من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبَوْا أن يضيِّفوهم، فلَدُغ سيِّد ذلك الحيِّ، فسعَوْا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم:"لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيء".

فأتوْهم فقالوا:"يا أيها الرهط .. إنَّ سَيِّدنا لُدِغ فسعَيْنا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟!".

فقال بعضهم: (نعم، واللهِ إني لَرَاقٍ، ولكن واللهِ لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلًا) ، فصالحوهم على قطيعٍ من الغَنَم، فانطلق فَجَعَل يتفل ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى لكأنما نَشِطَ من عِقَال، فانطلق يمشي ما به قَلَبَة [1] ، قال: فأوْفوْهُم جُعلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا، فَقَدِموا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له، فقال: (وما يُدريك أنها رُقية!، أصَبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم بسَهم) [2] .

وأخرج البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مرُّوا بماءٍ فيهم لديغ أو سَلِيم، فعرَض لهم رجلٌ من أهل الماء، فقال:"هل فيكم من راقٍ، إن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا؟!"، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ، فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: (أخَذْتَ على كتابِ اللهِ أجرًا!) ، حتى قَدِموا"المدينة"فقالوا: (يا رسول الله .. أخَذَ على كتاب الله أجرًا!)

(1) قلَبَة) بفتح القاف واللام والباء، أي: ألََمٌ وعِلَّة؛ أنظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (4/ 98) ، و «لسان العرب» (1/ 687) .

(2) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (2156) واللفظ له، ومسلم في «صحيحه» برقم (2201) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت