فهرس الكتاب
إنَّ أعظمَ ما يحتج به مَن جعل ذلك له صنعةً ومَجْلبةَ مالٍ لا تَعَب فيه ولا نَصَبَ حديث قصة"اللديغ"الذي رُقي بسورة الفاتحة فشُفي، ففي «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رهطًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلقوا في سفْرَةٍ سافروها حتى نزلوا بحيٍّ من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبَوْا أن يضيِّفوهم، فلَدُغ سيِّد ذلك الحيِّ، فسعَوْا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم:"لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيء".
فأتوْهم فقالوا:"يا أيها الرهط .. إنَّ سَيِّدنا لُدِغ فسعَيْنا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟!".
فقال بعضهم: (نعم، واللهِ إني لَرَاقٍ، ولكن واللهِ لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلًا) ، فصالحوهم على قطيعٍ من الغَنَم، فانطلق فَجَعَل يتفل ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى لكأنما نَشِطَ من عِقَال، فانطلق يمشي ما به قَلَبَة [1] ، قال: فأوْفوْهُم جُعلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا، فَقَدِموا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له، فقال: (وما يُدريك أنها رُقية!، أصَبتم، اقسموا، واضربوا لي معكم بسَهم) [2] .
وأخرج البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مرُّوا بماءٍ فيهم لديغ أو سَلِيم، فعرَض لهم رجلٌ من أهل الماء، فقال:"هل فيكم من راقٍ، إن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا؟!"، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ، فبرأ فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك وقالوا: (أخَذْتَ على كتابِ اللهِ أجرًا!) ، حتى قَدِموا"المدينة"فقالوا: (يا رسول الله .. أخَذَ على كتاب الله أجرًا!)
(1) قلَبَة) بفتح القاف واللام والباء، أي: ألََمٌ وعِلَّة؛ أنظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (4/ 98) ، و «لسان العرب» (1/ 687) .
(2) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (2156) واللفظ له، ومسلم في «صحيحه» برقم (2201) .