الصحابة، و لا في بيت من البيوت [1] . فإن هذا يستلزم بالضرورة أن النبي لم يُوص لأحد بالخلافة من بعده، و إلا كان مخالفا للقرآن، و هذا لا يمكن أن يحدث، و حاشا لرسول الله أن يُخالف كتاب الله تعالى.
و الشاهد الثاني مفاده هو أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- قبيل وفاته أراد أن يكتب للصحابة كتابا يعصمهم من الاختلاف من بعده، و قد أراد فعل ذلك مرتين ثم تركه، لأنه رأى من الحكمة عدم كتابته، و أنه لا خوف على أمته من بعده. فبالنسبة للحادثة الأولى فقد وردت بصيغتين عن ابن عباس، الأولى مفادها ما رواه البخاري بإسناده: (( حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا، هشام، عن معمر، و حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما حضر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده". فقال عمر: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابا لن تضلوا بعده. و منهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي -صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"قوموا". قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول:"إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم") ) [2] .
و الصيغة الثانية رواية لمسلم: (( حدثنا سعيد بن منصور، و قتيبة بن سعيد، و أبو بكر بن أبى شيبة، و عمرو الناقد - واللفظ لسعيد - قالوا: حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت يا ابن عباس: وما يوم الخميس؟، قال اشتد برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعه. فقال «ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى» . فتنازعوا وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه؟. قال: «دعوني فالذي أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ... » قال: و سكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها ) ) [3] .
و في رواية للبخاري-من الصيغة الثانية-: (( حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول سمع سعيد بن جبير، سمع ابن عباس- رضي الله عنهما- يقول: يوم الخميس، و ما يوم الخميس!!، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. قلت: يا أبا عباس ما يوم الخميس؟، قال اشتد برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعه فقال:"ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا". فتنازعوا، و لا
(1) سبق أن تناولنا موضوع الوصية في القرآن الكريم في المبحث الثاني من الفصل الثاني.
(2) البخاري: الصحيح، ج 7 ص: 120.
(3) مسلم / الصحيح، ج 5 ص: 75.