ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه؟، فقال:"ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه"، فأمرهم بثلاث. قال:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ...")) [1] .
و الحادثة الثانية رواها مسلم بإسناده: (( حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثنا صالح بن كيسان، عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه: «ادعى لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ) ) [2] .
فواضح من ذلك أن الحادثة الثانية فسرت لنا جانبا من الحادثة الأولى، فالنبي -عليه الصلاة و السلام - أراد في الأولى أن يُوصي لأبي بكر بالخلافة من بعده ثم ترك ذلك عن اقتناع منه، و ليس بسبب اختلاف الصحابة الذين كانوا عنده، فلو أراد أن يكتبه لكتبه. بدليل أنه في الحادثة الثانية أفصح عن نيته صراحة، بأنه أراد أن يُوصي لأبي بكر بالخلافة، ثم تراجع عنه من دون أي ضغط و اختلاف كما حدث في الحادثة الأولى. ترك ذلك لأن الله تعالى أعلمه بأن المسلمين سيختارون أبا بكر خليفة لهم بالطريقة الشرعية القائمة على الشورى و الرضا و الاختيار.
و الشاهد الثالث مفاده هو أن اختلاف الصحابة- بعد وفاة النبي- فيما بينهم حول من يتولى منهم الخلافة، هو دليل قاطع دامغ على أن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- لم يُوص بالخلافة لأحد من أصحابه. فلو أوصى لأحد منهم ما اختلفوا في من يتولى منهم الخلافة، و هم المؤمنون الأتقياء الذين شهد لهم الشرع و التاريخ بالإيمان و العمل الصالح في حياة نبيهم و بعده.
و الشاهد الأخير- الرابع- مفاده هو أن النبي-صلى الله عليه و سلم- أوصى بأمور قبل وفاته، ليس من بينها الوصية بالخلافة. منها توصيته بكتاب الله و بأهل بيته، في قوله: فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، و «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» [3] . و منها قوله:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» [4] ."
و أما الرواية الشيعية فهي أيضا أيدت موقفها بروايات حديثية و تاريخية، منها أنها ذكرت أن الرسول أعلن أن عليا وصيه و خليفته من بعده منذ بداية الدعوة الإسلامية، عندما نزل قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} -سورة
(1) البخاري: المصدر السابق، ج 4 ص: 99.
(2) مسلم: الصحيح، ج 7 ص: 110.
(3) سبق توثيقه في المبحث الأول من الفصل الثاني.
(4) مسلم: المصدر السابق، ج 5 ص: 75.