فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 181

رضي الله عنهما- على السنة النبوية، و لو كانا قد انحرفا عنها، و منعها عليا حقه في الوصية و الإمامة الشيعية كما تزعم الرواية الشيعية، ما قال فيهما ذلك، و لا شهد لهما بالاستقامة ن و إنما لذمهما و كفّرهما كما كفرتهم الرواية الشيعية.

و الشاهد الخامس يتضمن قولا لعلي و الزبير بن العوام عندما بايعا أبا بكر الصديق بالخلافة، فقالا: (( ما غضبنا إلا لأنا قد أخرنا عن المشاورة، و إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول -الله صلى الله عليه و سلم-، إنه لصاحب الغار و ثاني إثنين، و إنا لنعلم بشرفه و كبره، و لقد أمره رسول الله- صلى الله عليه و سلم- بالصلاة بالناس و هو حي ) ) [1] . فهذا دليل دامغ على أن علي بن أبي طالب لم يكن يعتقد أنه هو الوصي و الخليفة بعد النبي-عليه الصلاة و السلام-. و لا كان يعتقد أن أبا بكر اغتصب منه حقه في الإمامة، و إنما كان يعتقد هو الزبير أن أبا بكر أحق بها منهما لمكانته و فضله. و إنما غضب هو و الزبير عندما أُخرا عن المشاورة في بيعة أبي بكر، و هذا من حقهما. لكن ذلك لم يكن مقصودا، و قد غاب عن تلك البيعة معظم الصحابة، لأن بيعة أبي بكر تمت بسرعة في سقيفة بني ساعدة دون تخطيط مُسبق لها، و سنذكر تفاصيلها قريبا في المبحث الخامس إن شاء الله تعالى.

و الشاهد السادس مفاده أنه لما صعد أبو بكر الصديق المنبر ليُبايعه عامة المسلمين، و نظر في (( وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء. فقال: قلت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختنه على ابنته، أردت أن تشق عصا المسلمين. قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبايعه ) ) [2] .

و الشاهد السابع هو أنه صح الخبر بالتواتر أن علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- كان يقول: (( خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر -رضي الله عنهما- وقال يجعل الله تعالى الخير حيث أحب ) ) [3] . فلو كانا اغتصبا منه حقه في الإمامة ما قالا فيهما ذلك.

و الشاهد الثامن يتضمن أقوالا لبعض كبار علماء الصحابة تشهد على أن النبي-عليه الصلاة و السلام- لم يوص لأحد من الصحابة بالخلافة من بعده. أولها قول لعمر ابن الخطاب -رضي الله عنه-، فعندما قيل له: استخلف، قال: (( فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى - يعنى أبا بكر -، و إن أترككم فقد ترككم من هو خير منى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) ) [4] .

و ثانيها قول لعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، مفاده أنها قالت: (( قبض رسول الله -صلى الله عليه و سلم- و لم يستخلف أحدا، و لو كان مستخلفا أحدا لاستخلف أبا بكر أو عمر ) ) [5] .

و القول الثالث هو أيضا لأم المؤمنين عائشة بنت الصديق، و مفاده أنه (( ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا. فقالت متى أوصى إليه؟ فلقد كنت مسندته إلى صدري أو إلى حجري. فدعا بطست. فلقد انخنث-انحنى- في حجري فمات وما شعرت به. فمتى أوصى صلى الله عليه و سلم؟ ) ) [6] .

و القول الأخير- الرابع - هو للصحابي عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-،و مفاده أنه قال: (( مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولم يوص ) ) [7] .

و الشاهد الأخير- العاشر- يتضمن مواقف و أقولا ذكرتها روايات شيعية وردت في مصادر الشيعة الإمامية، تنقض ما ذكرته الرواية الشيعية عن إمامة علي و بنيه، و تشهد على أن عليا لم يقل أنه هو الوصي و الإمام الشرعي بعد النبي، و لا قال أن الإمامة تتم بالنص، و إنما قال صراحة أنها تتم بالشورى و الرضا و الاختيار الحر بين المسلمين، و لو كان هو الإمام المنصوص عليه شرعا، ما جاز له أن يقول ذلك. منها قوله عندما بايعه الناس- بعد استشهاد الخليفة عثمان-: (( و الله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، و لكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها ) ) [8] . و في رواية أنه قال: (( فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة، ولا لي فيها محبة، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها، فكرهت خلافكم ... ) ) [9] .

و منها قوله: (( إني لم أرد الناس حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى اكرهوني ) ) [10] . و قوله: (( أيها الناس، إن أحق الناس بهذا الأمر، أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه ... ) ) [11] . و قوله: (( و إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما"، كان ذلك رضا الله ) ) [12] . و قوله لأبي سفيان: (( طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئا! لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلا ما تركناه ) ) [13] . و عندما طعنه ابن ملجم قيل له:"

(1) صححه الحاكم و وافقه الذهبي. المستدرك، ج 4 ص: 135 136. و صححه ابن كثير في كتابه السيرة النبوية، ج 4 ص: 496.

(2) الخبر صححه ابن كثير، البداية و النهاية، ج 5 ص: 269.

(3) أحمد بن حنبل: المسند، 1 ص: 113، 289، 292. و ابن كثير: نفس المصدر، ج 8 ص: 400. و معنى الحديث في صحيح البخاري، ج 5 ص: 7.

(4) مسلم: الصحيح، ج 6 ص: 4. و البخاري: نفس المصدر، ج 9 ص: 81.

(5) صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث مسند أحمد، ج 6 ص: 63.

(6) ابن ماجة: السنن، ج 1 ص: 519. و البخاري: المصدر السابق، ج 4 ص: 3. و مسلم: المصدر السابق، ج 5 ص: 75.

(7) صححه شعيب الأرناؤوط، المسند، ج 6 ص: 63.

(8) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 5 ص: 9.

(9) الطوسي: الأمالي، ج 2 ص: 254.

(10) الموفق الخوارزمي: المناقب، ج 1 ص: 327.

(11) الرضي العلوي: نهج البلاغة، ص: 239.

(12) الموفق الخوارزمي: المصدر السابق، ج 1 ص: 362. و ابن أبي الحديد: المصدر السابق، ج 8 ص: 45.

(13) ابن أبي الحديد: نفس المصدر، ج 2 ص: 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت