القسم الأول: ما كان وقت المصيبة قبل السلو عنها فهذا داخل في النعي المنهي عنه؛ لأن مؤداه التفجع على الميت وإعظام حال موته وأن بموته تنقطع المصالح، ويعز وجود نظيره، وفي هذا تجديد الأحزان ونكء الآلام ومخالفة مقصود الشرع من تخفيف المصاب وتسهيله؛ ليكون ذلك عونًا في الصبر على قضاء الله وقدره.
القسم الثاني: ما كان بعد السلوة وبرود المصيبة فلا بأس بذلك من حيث الأصل، فإن كان الغرض منه التأسي بالصالحين والاقتداء بهم فإن ذلك مستحب لما يتضمنه من الدعوة إلى الخير والتأسي بالصالحين وعلى هذا بناء كثير من كتب السير والتراجم والأعلام. ومما يدل لذلك ما جاء في صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر أبا بكر- رضي الله عنه - (1) .
للعلماء رحمهم الله في رثاء الأموات قولان في الجملة.
القول الأول: أنه لا بأس بالمراثي، وهذا مذهب الحنفية (2) ، والشافعية (3) .
واستدل هؤلاء بأن الكثير من الصحابة رضي الله عنهم فعله وكذلك فعله كثير من أهل العلم (4) .
القول الثاني: أنه تكره المراثي، وهو قول للشافعية (5) .
واستدل هؤلاء بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن المراثي، فعن عبدالله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المراثي". رواه الإمام أحمد (6) ، وابن ماجه (7) . وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ:"ينهانا عن المراثي" (8) .
ومدار الحديث على إبراهيم الهجري الراوي عن عبد الله قال عنه البوصيري في مصباح الزجاجة: وهو ضعيف جدًا ضعفه سفيان بن عيينة ويحيى بن معين والنسائي وغيرهم (9) . وقال عنه البخاري: منكر الحديث.
(2) حاشية ابن عابدين (2/ 239) .
(3) نهاية المحتاج (3/ 17) .
(4) شرح المنهاج للجمل (2/ 215) .
(5) نهاية المحتاج (3/ 17) .