ورسوله والانتهاء عما نهى عنه ورسوله والتواصي بالصبر على طاعة الله والصبر عمَّا حرم الله والصبر على أقدار الله فدلت هذه السورة العظيمة سورة العصر قليلة الألفاظ كثيرة المعاني دلت على وجوب تعلم العلم النافع والعمل به والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه ودلت على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك وأن من فقد هذه العناصر الأربعة التي تضمنتها السورة أو فقد بعضها فقد خسر كما دلت على ربح وفوز من اتصف بها ولهذا قال فيها الإمام الشافعي رحمه الله لو فكر الناس فيها لكفتهم.
ودلت على وجوب جهاد النفس وأنه أربع مراتب كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد في هدي خير العباد - صلى الله عليه وسلم -.
1 -جهادها على تعلم الهدي ودين الحق الذي لا صلاح لها في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين.
2 -أن يجاهدها على العمل به بعد علمه وإلا فمجرد العلم بدون عمل إن لم يضرها لم ينفعها فإن اليهود علماء فلم يعملوا بعلمهم فغضب الله عليهم والنصارى يعبدون الله على جهل وضلال ولهذا شرع لنا في دعاء الفاتحة سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم وأن يجنبنا ربنا طريق اليهود والنصارى المغضوب عليهم والضالين.
3 -الثالث من جهاد النفس الذي دلت عليه سورة العصر جهادها على الدعوة إلى الله بقوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} وكما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وكما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] فالدعوة إلى الله هي طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي طريقة الخلفاء الراشدين وأتباعهم إلى يوم القيامة فواجب المتعلم أن يتعلم لينقذ نفسه وغيره من زمرة الجاهلين وواجب العالم أن ينشر علمه في الناس ليفوز بعظم الأجر ويسلم من الإثم والوزر ولئلا يقع في الكتمان قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] .
وقال - صلى الله عليه وسلم -"بلغوا عني ولو آية" [1] ودعا لمن بلغ فقال عليه الصلاة والسلام:"نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع" [2] وقال أيضًا:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" [3] وعكس ذلك من دعا إلى ضلالة وإذا لم يقم العالم بما أوجب الله عليه من العمل بعلمه والدعوة إليه كان من الذين يكتمون ما أنزل الله ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله وفي الحديث:"أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" [4] وقال - صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي"
(1) رواه البخاري.
(2) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
(3) رواه مسلم وغيره.
(4) رواه الطبراني والبيهقي وابن عدي وضعفه السيوطي والمنذري وله أصل أصيل عند الحاكم في المستدرك.