الصفحة 174 من 287

أهل العلم من المقادسة، وغيرهم، حيث كان يؤثرهم وانتفع به كثيرون [1] . وهذا الموقف تجاه المقادسة مفهوم نظرًا للحال التي آل إليها أهالي بيت المقدس وما حوله من تهجير إثر الغزو الفرنجي آنذاك، الأمر الذي استوجب تعاطف المسلمين معهم، فكان موقف النعال المؤثر للمقادسة برباطه بمثابة إسهام من متصوفة بغداد في المجهود ضد الغزو الفرنجي. وقد كان هذا الرباط في سنة 572 هـ مليئًا بطلبة العلم حتى أنه لم يكن فيه بيت خال [2] ، ويبدو أن الفترة التي قضاها النعال سائحًا في بلاد الشام [3] على عادة الصوفية في السياحة، كان لها أثر بالغ في موقفه المتعاطف على نحو مميز تجاه المقادسة إذ ليس الخبر كالمعاينة.

و يُستفاد من ذلك أيضًا أن سياحة الصوفية في البلاد كان لها أثر تعدّى الإهتمام الصوفي البحت، من حيث ان سياحتهم مكنتهم من الإطلاع على أحوال البلاد التي دخلوها فكانوا بذلك أوسع أفقًا من غيرهم و أقوى شعورًا بالإنتماء إلى أمتهم الواحدة رغم تفرقها السياسي آنذاك، ولا يبعد أنهم كانوا- بفضل سياحاتهم- بمثابة السفراء الشعبيين بين مجتمعات المدن الإسلامية الذين يُحافظون على اتصالها الشعبي وقوة ترابطها، وبدورها عززت الربط الصوفية المقامة في الحواضر الاسلامية هذا الشعور عبر تواصل والتقاء أهل الربط والقادمين من مختلف بلاد الإسلام لغايات صوفية أو فقهية أو كليهما، ويتوقع أن تكون ثقافة أهل الربط الصوفية ثقافةً وحدويّة في زمن كان فيه التشرذم السياسي، وربما المذهبي، هو السائد، إذ لم يعرف عن الربط الصوفية آنذاك أنها مقصورة أو موقوفة على مذهب دون آخر على نحو ما كانت عليه أكثر المدارس، وهذه ميزة للرباط الصوفي على المدرسة الفقهية.

يقول ابن رجب عن رباط الشيخ محمود النعال:"وكان رباطه مجمعًا للفقراء و أهل الدين وللفقهاء ... حتى كان الإشتغال فيه بالعلم أكثر من الاشتغال بسائر المدارس ... سكنه الشيخ موفق الدين المقدسي، والحافظ عبد الغني [المقدسي] وأخوه الشيخ العماد، والحافظ عبد القادر الرهاوي وغيرهم من أكابر الرحالين لطلب العلم"، وقد كان النعال يجلس في رباطه للوعظ [4] .

ومن مشاهير من لبسوا خرقة التصوف من يد الشيخ عبد القادر الجيلي،

(1) ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 82. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 43، ص 349. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 13، ص 77.

(2) عباس، شذرات من كتب مفقودة، ج 1، ص 200.

(3) ابو شامة، الذيل على الروضتين، ص 82. الذهبي، تاريخ الاسلام، ج 43، ص 349.

(4) ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة، ج 2، ص 64. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 7،

ص 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت