تقديم
بقلم الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري
هذه دراسة جادة للتصوف البغدادي في القرن السادس الهجري, فهي تتناول فترة - وموقعًا - لم تجد العناية من قبل على أهميتها, فقد حصل فيها تطورات مهمة مثل ازدهار ظاهرة الفقهاء الصوفية ومهدت لأخرى مثل ظهور الطرق الصوفية.
وكان للظروف العامة أثرها, فقد شهدت الفترة فقد الخلافة العباسية لسلطاتها السياسية والإدارية التي صارت للسلاجقة الذين خلفوا البويهيين في ذلك منذ أواسط القرن الخامس الهجري, وحاول الخلفاء تعزيز دورهم الديني في جهودهم لاستعادة سلطتهم ودورهم (منذ القرن الخامس) ونجحوا لحد ما في النصف الثاني من القرن السادس, وبخاصة زمن الناصر لدين الله.
وحاول الخلفاء منذ القرن الخامس الهجري تأكيد دورهم الديني وتوسيعه بالالتفات إلى الفئات الشعبية وما لها من مؤسسات لتعزيز وضعهم وللإفادة من دعمهم, ومن ذلك, كما اتضح بعدئذ, حركة التصوف وحركة الفتوة.
وقد حاول الباحث أن يضع التصوف البغدادي في سياق تطور حركة التصوف, فهو لم يكن معزولًا بل كان امتدادًا حيويًا له وبذلك أظهر موقعه من تطور الحركة الصوفية عامة وما حصل من تطورات في التصوف البغدادي.
وسيرى القارئ البعدين التاريخي والجغرافي لحركة التصوف البغدادي في هذه الدراسة مما يكسبها حيوية وإمتاعا. ولئن كانت النظرة إلى بعض المتصوفة في فترة سابقة سلبيةً فإن النظرة في هذه الفترة كانت, كما يبدو من الدراسة, إيجابيةً، بل إن الحركة شملت شيوخًا وصوفية من مذاهب متنافرة، بل ولعلها كانت عونًا على تخفيف أثر الإختلاف.
وقد كان للغزالي وربما لبعض شيوخ الصوفية الكبار دور في استقرار النظرة الايجابية للتصوف. وهناك تيار مهم ظهر في التصوف البغدادي وكان أثره مهمًا في هذا الإتجاه وهو ظاهرة الفقهاء الصوفية وهم الصوفية الذين يجمعون بين الشريعة والتصوف, بل وصار الاتجاه إلى دراسة الشريعة قبل الخلوة. ويتمثل هذا مؤسسيًا في وجود المدرسة إلى جانب الرباط, وقد كان هذا هو الإتجاه المألوف، وقد تؤسس المدرسة قبل الرباط في بعض الأحيان.