ولعل هذا يساعد على فهم جانب من مشاركة الصوفية في الحياة العامة, فيلاحظ أن بعض العلماء الصوفية كان يدرس, أو يتولى القضاء أو غير ذلك. وهذا يشير إلى تطور آخر في التصوف وهو أنه لم يعد معزولًا عن المجتمع بل متصل به.
وكان للصوفية الفقهاء اتصالات مع الخلفاء وربما كبار رجال الدولة. وكانت المبادرة من دار الخلافة أو المقربين منها مما يسر ذلك الإتجاه نحو المؤسسية من جهة ومواجهة الدعوة الإسماعيلية من جهة أخرى.
ومن الإتجاه للمؤسسية إحداث المدارس النظامية (على يد نظام الملك) . لقد حول نظام الملك المدرسة الحرة إلى مؤسسة رسمية لها وقوفها ومعاليمها للطلبة تدرس مذهبًا معينًا (الشافعي/الأشعري) ليواجه دعاية الفاطميين وليسند السلطنة؛ ورأت الخلافة في إنشاء الربط وتخصيص الأوقاف لها وتشجيعها - وإن بصورة غير مباشرة - وسيلة لدعمها, كما أن في إنشاء المدارس دعم في نفس الإتجاه.
هل نقول أنها رأت في المؤسسات الشعبية - بما لها من أثر- مجالًا فعالًا لإسنادها في وجه السلطنة؟ هذا وارد من الإحتكاك بين الجهتين أحيانا.
وفي هذا الإتجاه يمكن الإشارة إلى منظمات الفتوة, وهي في الأساس حرفية, في القرن السادس الهجري خاصةً, والصلات بين التصوف و الفتوة تعود لفترة أسبق ولكنها الآن أوسع تنظيمًا وانتشارًا. وإن كانت الفتوة في عدة مجموعات بينها فتوة العيارين وفتوة الصوفية وفتوة الحرف, فقد وحدها الناصر لدين الله بعد أن انتمى إلى مجموعة منها, وحدثها وأعطاها معاني رفيعة, وترأسها وأدخل أمراء عدة فيها، وهكذا وجدت الخلافة في مؤسسات مدنية شعبية قوة تسندها وتوسع مجال نفوذها.
إن اتصال الخلافة بالصوفية وتخصيص الأوقاف للربط والإكثار منها يذكر بالأوقاف للمدارس, ولعله ساعد على إكسابها الصفة المؤسسية كما حصل مع المدرسة و زاد من نشاطها في المجتمع ليشمل العامة والخاصة, هذا إلى أن بعض الربط أنشئ للنساء.
إن الكثير من أسماء المتصوفة يشير إلى أن أصحابها من أهل الحرف كما أن بين التجار متصوفة, مما يشير إلى توسع التصوف ليشمل فئات الشعب. يبدو أن الإتجاه العام في هذه الفترة كان نحو المأسسة. فقد تمأسست المدرسة