شهد القرن السادس الهجري نضوج التصوف من حيث هو حركة اجتماعية كان لها أثرها الواضح في مختلف الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية في بغداد.
وقبل ذلك كان التصوف قد تلقى دفعة قوية من وزير السلطنة السلجوقية نظام الملك في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ضمن توجه السلطنة لإحياء المذاهب السنية لمواجهة الفاطميين.
وبعد زوال الهيمنة السلجوقية على بغداد في أواخر النصف الأول من القرن السادس الهجري واصل الخلفاء العباسيون تبنيهم للتصوف نظرًا لسعة انتشاره بين الناس ولتأثيره في حياتهم وربما أيضًا لقدرته على التخفيف من غلواء الخلافات المذهبية.
إن دراسة متصوفة بغداد في القرن السادس الهجري تمهد لفهم حركة التصوف وتطوراتها في القرون التالية في مختلف بلاد الإسلام، كما يمهد لفهم الدور الذي قاموا به سواء في البلاد المجاورة أو البعيدة عن بغداد، ويزيد من أهمية الدارسة ما يمكن ان يقال من أن التصوف صبغ المجتمعات الاسلامية عامة بصبغته الخاصة ولمدة غير قصيرة.
لم يحظ موضوع الدارسة باهتمام كافٍ من قبل الباحثين المعاصرين سواءً من العرب أو غيرهم، بل ربما لم يكرس احد منهم بحثًا وافيًا لهذا الموضوع أصلًا. إن أكثر الدراسات السابقة عن التصوف نادرًا ما تصل إلى القرن السادس الهجري، ... وإن وصلت فإنها غالبًا ما تركز اهتمامها على معالجة ما أطلق عليه تسمية
"التصوف الفلسفي"الذي كان له رواجه خارج بغداد، وذلك رغم أهمية دراسة التصوف البغدادي في تلك الفترة نظرًا لكونها فترة تكوين لأهم المؤسسات الصوفية التي ظهرت لاحقًا، أعني الطرق الصوفية، وقد كان للمستشرقين دور هام في توجيه البحوث نحو التصوف الفلسفي وذلك على حساب الاهتمام