فهرس الكتاب
5 -ومن جهة أخرى، فنظرًا لوجود نوعٍ شبهٍ بين التورّق والعينة خلط بعض أهل العلم بينهما في المفهوم أو اعتبروا التورّق (أو الزرنقة) نوعًا من العينة، وربما كان منشأ ذلك استواءهما في الحكم الشرعي في نظرهم. ومن ذلك قول ابن الأثير:"الزّرنقة، وهي العينة: وذلك بأن يشتري الشيء بأكثر من ثمنه الأجل، ثم يبيعه منه أو من غيره بأقل مما اشتراه. كأنه معرّب زرنه، أي ليس الذهب معي"، وقول ابن القيم:"فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه (أي إلى البائع) ، بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عينةً؟ قيل: هذه مسألة التورّق، لأنّ المقصود منها الورق. وقد نصّ أحمد- في رواية أبي داود- على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها"، وقول الفيومي:"فلو باعها المشتري من غير بائعها في المجلس، فهي عينةٌ أيضًا".
1 -التورق مصطلح فقهي جرى استعماله على ألسنة فقهاء الحنابلة دون غيرهم من أهل العلم، ومرادهم به"أن يشتري المرء سلعةً بالنسيئة، ثم يبيعها لغير بائعها نقدًا بأقل مما اشتراها به، ليحصل بذلك على النقد"، وهذا المفهوم الاصطلاحي مستمدٌ من المعنى اللغوي للكلمة، وهو: سعي المرء بكلفة ومشقةٍ للحصول على النقد. (نظرًا لاشتقاقها من"الورق"الذي يعني في أصل الوضع الدراهم الفضية، التي هي مقصود المتورّق وغرضه، ثم توسّع في مدلول الكلمة حتى شملت تحصيل مطلق النقود على ذلك النحو) .
ويستعمل الشافعية مصطلح"الزرنقة"بدل التورق، أما بقية الفقهاء فقد عرفوا مفهوم التورق، وتكلموا عنه في معرض كلامهم عن"العينة"أو"بيوع الآجال"، ولكن من غير إطلاق تسمية خاصة عليه.
2 -وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة في المذهب إلى جواز التورق، وخالفهم في ذلك ابن تيمية، وذهب إلى كراهته، وهي رواية عن أحمد، وحكي عنه أنه اختار حرمته، وهي رواية ثالثة عن أحمد. وقد ارتضى ابن القيم مذهب شيخه ابن تيمية بحظر هذه المعاملة.