وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك، وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
3 - {لا رَيْبَ فِيهِ} فلا ريب فيه ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه، يستلزم ضده؛ إذ ضد الريب والشك: اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة: أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال؛ لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه.
4 - {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} كثيرا ًما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن؛ لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد: إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد: عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.
5 - {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} أي: على هدى عظيم؛ لأن التنكير للتعظيم.
6 - {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} أتى بـ"على"في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ"في"، كما في قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} ؛ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر.