عليه تعالى، مع أن هذه الأمور كلها مكفرة، ورواية الكافر غير مقبولة فضلًا عن صحتها، فالعدالة غير معتبرة عندهم وإن ذكروها في تعريف الصحيح، لأن الكافر لا يكون عدلًا البتة.
وحكموا أيضًا بصحة الحديث الذي وجدوه في الرقاع (1)
(1) يقول العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى وغفر له في تعليقه على"مختصر التحفة الاثني عشرية"ص 48: لما توفي الحسن العسكري سنة 260 وهو ابن ثلاثين سنة زعمت الشيعة أن له ابنًا في سن الطفولة توارى في سرداب بمدينة سامراء وأنه كآبائه معصوم ومصدر تشريع. والرقاع أوراق يكتبون فيها الأسئلة الشرعية ويضعونها ليلًا في ثقب شجرة قريبة من السرداب، ثم يجدون جوابها في الصباح من الطفل صاحب الزمان بزعمهم. والمظنون أن الذين يُجيبون على تلك الرقاع أشخاص ادّعوا أنهم (باب) صاحب الزمان، وأولهم عثمان بن سعيد العمري، ثم ابنه محمد بن عثمان الذي مات سنة 305، فتولى البابية بعده الحسين بن روح النوبختي إلى أن توفي سنة 326، فأوصى بالبابية إلى علي بن محمد السمري فكانت له البابية أو السفارة بين الشيعة والسرداب إلى أن مات السمري سنة 329 وبموته قالوا إنه قد وقعت الغيبة الكبرى لصاحب الزمان. والرقاع المزعومة كثيرة، منها رقاع علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، فإنه كان يُظهر بين حين وآخر رقعة يزعم أنها بخط الطفل صاحب الزمان في جواب سؤاله، وأنه حصل عليها من طريق الحسين بن روح على يد علي بن جعفر بن الأسود. ومن الرقاع رقاع محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري القمي، وقد تكلمنا على الرقاع وقيمتها العلمية في مجلة الفتح العدد 844 الصادر في جمادى الآخرة 1366 ه.
ويقول الأستاذ أحمد الكاتب في كتابه القيّم"تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه"ص 227 وما بعدها: اتخذ المؤيدون لنظرية وجود (المهدي) الرسائل التي قالوا إنه قد بعث إليها إلى عدد من الناس دليلًا إضافيًا على صحة نظريتهم بوجود (محمد بن الحسن العسكري) ولكننا بعد دراسة هذه الروايات والتحقيق في سندها نكتشف ضعفها بدرجة كبيرة، وإنها ليست إلا إشاعات روّجها أدعياء الوكالة.
فإن رواية الطوسي الأولى يرويها عن جماعة لم يسمهم عن أبي محمد التلعكبري عن أحمد بن علي الرازي، الذي يقول عند علماء الشيعة: إنه ضعيف غالي، بالإضافة إلى أن أحمد بن إسحاق القمي لم يذكر كيفية مراسلة (صاحب الزمان) ومن هو الذي أوصل إليه الجواب، مما يحتمل اختلاقه للرسالة بنفسه.
أما الرسالة الثانية فإن الطوسي ينقلها أيضًا عن أحمد بن علي الرازي (الضعيف الغالي) عن عدد من المجهولين، بالإضافة إلى أنها تتضمن أمرًا غير معقول هو الاحتكام إلى شخص غير معروف متنازع في وجوده ليثبت هو وجوده. مع احتمال صدور الجواب من أحد أدعياء النيابة. علمًا بأن الشك بوجود (ابن الحسن) يقتضي الشك بصدق النواب، فكيف يمكن العودة إلى واحد منهم والوثوق به قبل التأكد من صدقه، والتصديق بما يقدمه من أوراق يدّعي أنها صادرة عن المهدي؟.
أما رواية الصدوق المعروفة بـ (التوقيع) فهي ضعيفة لمجهولية وضعف إسحاق بن يعقوب، وعدم ذكر السابقين كالكليني لها، ولتضمن الرواية عدة أمور غير صحيحة هي: أولًا: مدح الناقل للرسالة وهو (النائب الثاني محمد بن عثمان العمري) لنفسه وأبيه، وهو ما يقوي احتمال أن تكون الرسالة من وضعه. ثانيًا: إباحة الخمس في عصر الغيبة إلى وقت الظهور، وهذا يخالف استمرارية أحكام الإسلام في كل حين، وقد عدل علماء الشيعة مؤخرًا عن الأخذ بهذه الإباحة. ثالثًا: المطالبة بالكف عن السؤال عن علّة الغيبة، مع أن فلسفة الغيبة من الأمور الدينية الضرورية التي لابد من معرفتها على طريق الإيمان بالمهدي. ومن هنا تصبح تلك الرواية - الرسالة - ضعيفة جدًا وغير قابلة للاعتماد.
وكذلك حال رواية الصدوق الثانية عن العمري، التي ينقلها عن أبي عبد الله جعفر الذي يقول إنه وجدها مثبتة عن سعد بن عبد الله، أي أنه لم يروها مباشرة، وإنما وجدها في كتاب، ومن المعروف في علم الرواية: أن الوجدان في الكتب من أضعف أنواع الرواية، وإضافة إلى ذلك لا يذكر سعد كيف أنه حصل على الرسالة؟ ومن أخبره بها؟، وهو لا يرويها عن العمريين اللذين لا يصرحان بها، وإنما يذكرها عن شخص لم يحدد اسمه، ولكن يفترض أنه (المهدي) . وإذا صحت الرواية عن العمريين فإنها قد تكون من تأليفهما دعمًا لنظريتهما القائلة بوجود المهدي، وتعزيز ادعائهما بالنيابة عنه، ومن هنا فلا حجة فيها.
أما رسائل المفيد، التي يذكرها الطبرسي وابن شهر آشوب في كتبهما، فإن المفيد لم يذكرها في أحد من كتبه، ولو صحت نسبتها إليه فهي لا تحمل في طياتها أي دليل، وذلك لأن المفيد يقول: إنه استلمها من رجل أعرابي لا يعرفه والرسالة بخط غير المهدي يقول إنها من إملاء المهدي عليه، وقد رفض المفيد أن يعرض الرسائل التي أوصلها الأعرابي إليه، على أحد من أصحابه، وقال إن ذلك بأمر المهدي، ولم يبرز إلى الناس سوى رسائل بخط يده قال إن المهدي قد طلب منه أن يفعل ذلك.
فإذا صح ذلك ... فنحن في الحقيقة أمام رسائل بخط المفيد نفسه يقول إنها نسخ عن رسائل سلمها إليه أعرابي مجهول لا يعرفه المفيد، يقول ذلك الأعرابي إنها من رجل لا يعرفه كتب تلك الرسائل، يقول ذلك الرجل المجهول: إن الإمام المهدي قد أملاها عليه.
أي إننا أمام خبر آحاد يرويه المفيد عن رجل مجهول عن رجل مجهول عن المهدي. وهذا ما يُثير عددًا من الاحتمالات: منها: الجعل من قبل المفيد خاصة وأنها تحمل تزكية ومدحًا فائقًا له، ويقدم المهدي اسم المفيد في بعضها على اسمه. ومنها: الجعل من قبل ذلك الأعرابي، أو الجعل من قبل ذلك الرجل المجهول، أو الجعل من قبل رجل ثالث كذب على الكاتب وقال إنه المهدي. وهكذا رواية في منطق علم الدراية غير قابلة للالتفات أو التوقف عندها قليلًا أو كثيرًا.
وأورد أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى نقطة مهمة هنا، وهي موضوع خط المهدي في رسائله تلك، وتواقيعه الكثيرة المنسوبة إليه، فإن الإنسان المؤمن بالمهدي، وخاصة اليوم، يتوق إلى رؤية خط الإمام، إذ لم يحظ برؤية شخصه، ويتمنى أن يكون التاريخ قد احتفظ ولو بنسخة واحدة من تلك الرسائل والتواقيع، ويرجو أن يكون الشيعة في تلك الأيام قد أدركوا هذه الأهمية وحافظوا على رسائل الإمام في خزانتهم التاريخية، فإنها تُشكل أهم مادة لدراسة تلك المرحلة والتأكد من حقيقة (المهدي) والظروف التي أدت إلى الغيبة.
ومن هذا المنطلق حاولت أن أستقصي آثار خطوط المهدي في رسائله وأبحث عن أية نسخة من رسائله، وأتابع (تواقيعه) . وكنت أحسب في البداية أو أفترض أن يكون الشيعة في تلك الأيام أو بالأخص (النواب الأربعة) أو الفقهاء أو المحدثون قد اهتموا بالمحافظة عليها والعناية بها، فلم أجد لذلك أثرًا، ووجدت غموضًا مريبًا يلف هذا الموضوع، ووجدت في (التوقيع) الذي يرويه الطبرسي في (الاحتجاج) عن إسحاق بن يعقوب عن العمري نصًا يقول:"ولا تُظهر على خطنا الذي سطرناه أحدًا". وهو يكشف عن خلاف ما كان متوقعًا من الاهتمام بالتعرف على الخط والمحافظة على رسائل المهدي، وعدم وجود خط معين ومعروف للمهدي يمكن الرجوع إليه ومقارنة بقية الرسائل به للتأكد من صحتها. كما وجدت الطوسي يتحدث عن (خط المهدي) بصورة مريبة، حيث يقول:"قال أبو نصر هبة الله: وجدت بخط أبي غالب الرازي: إن العمري كان يتولى هذا الأمر (النيابة) نحوًا من خمسين سنة، يحمل الناس إليه أموالهم ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (ع) بالمهمات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة".
ولم يقل لماذا كان العمري يفعل ذلك؟ ولماذا لم يكن يخرج التواقيع بخط المهدي؟ ومن المعروف أن التعرّف على خط الإمام الحسن بذاته يكون مشكلة في حياته، إذ كان يلجأ بعض أدعياء النيابة عنه من الغلاة إلى تزوير خطه، وقد وقع الشيعة بسبب ذلك في مشكلة التعرف على خط الإمام العسكري والتأكد من خطه في حياته، فكيف يمكن التعرف على خط (المهدي) الذي لم يره أحد ولم ير خطه ولم يُتأكد من وجوده؟ ولا يملك عامة الناس وسيلة للتحقّق منه؟.
ومع وجود هذه الإشكالية الكبيرة فإن العمري لم يكن يُسلم الخطوط والتواقيع إلى أحد، بل كان يبرزها لهم فقط أو يستنسخها بخطه. وقد لجأ المفيد - حسب الرواية المزعومة - إلى هذه الطريقة أيضًا، فقدم نسخًا بخط يده قال إنها منقولة عن رسائل من المهدي لم تكن مكتوبة أساسًا بخطه، وإنما كانت إملاء منه على كاتب مجهول.
ولو كنا حصلنا على نسخ من خط (المهدي) لكان باستطاعتنا المقارنة بينها والتأكد من حقيقة نسبتها إليه أو التمييز بين الصحيح والمزوّر منها ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
ولذلك يمكننا اتخاذ (سرية الخط أو الحرص على إخفائه) دليلًا إضافيًا على عدم وجود (محمد بن الحسن العسكري) الذي إن كان موجودًا فعلًا وكان مختفيًا وغائبًا لأسباب أمنية، لكان لجأ بصورة قاطعة إلى إثبات شخصيته عند الشيعة، وقيادتهم عبر الرسائل الموقعة التي لا تقبل الشك والنقاش، ويمكن معرفتها وتمييزها بواسطة التعرّف على الخط، والمقارنة بينها، كواحدة من الوسائل العديدة التي يثبت بها نفسه.