الصفحة 130 من 158

وللخروج عن الاعتدال في التربية صور عدة تترك أثرها السلبي في البناء النفسي، منها: الصورة الأولى: الإجحاف على النفس والمشقة عليها، وإهمال بعض الحاجات والجوانب النفسية، وهو موقف يتعرض له الشاب المقبل على الله كثيرًا؛ فالشاب يتميز بالحماسة والاندفاع، فهو حين يدرك فضائل الأعمال الصالحة، أو يتوب بعد صبوة قد يشق على نفسه، ويبالغ في العبادة، ويهمل رعاية سائر مطالب النفس، ومن ثم فعلى المربي أولًا أن يعتدل في حديثه مع الشاب ودفعه للعمل الصالح حتى لا يؤدي به ذلك إلى الخروج عن الاعتدال. وعليه ثانيًا: أن يوجه الشاب حين يرى منه مبالغة وخروجًا عن المنهج الشرعي في ذلك. وهو منهج اعتنى به النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يوجِّه أصحابه إلى الاعتدال وينهاهم عن المشقة على النفس؛ عن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لن ينجي أحدًا منكم عملُه"قالوا:ولا أنت يا رسول الله؟ قال:"ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة، سددوا، وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا" ( 11) . وحين رأى من أحد الشباب جنوحًا إلى التشديد والغلو، دعاه وأخبره بما ينبغي عليه فعله، عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان بن مظعون فجاءه، فقال:"يا عثمان، أرغبت عن سنتي؟"قال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب. قال:"فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان؛ فإن لأهلك عليك حقًّا، وإن لضيفك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصلِّ ونم" ( 12) . ومثله قصته صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - وهي مشهورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت