تبدو أهمية الاعتناء بالجانب الخلقي والسلوكي من خلال أمور: الأول: أن حسن الخلق منزلة عالية في الدين، ويكفي في ذلك أن الله تبارك وتعالى عدَّه من صفات المتقين وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ { (آل عمران:133) وأثنى تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق فقال: } وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم:4) . وأعلت السنة النبوية من منزلة حسن الخلق، ومما ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم" ( 1) ، وجعل صلى الله عليه وسلم أحاسن الناس أخلاقًا أحبهم إليه وأقربهم منه مجلسًا فقال:"إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا ..." ( 2) ، وجعل صلى الله عليه وسلم حسن الخلق شأن خيار الأمة فقال:"إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا" ( 3) . وقد عني السلف بهذا الجانب عناية تليق به، وتناوله مَنْ كَتَبَ في أدب العالم والمتعلم، وعقد طائفة من مصنفي كتب الحديث أبوابًا في ذلك، بل صنَّفوا مصنفات مستقلة فيه، وكان هذا التصنيف في مرحلة مبكرة، مما يعني أنه لم يكن من باب الترف الفكري، أو من فضول العلم، بل عدُّوه مما ينبغي أن يبدأ به طالب العلم. الثاني: أن مرحلة الطفولة والشباب هي المرحلة التي تتأصل فيها الجوانب الأخلاقية والسلوكية بشكل يصعب تغييره فيما بعد، فالأخلاق الحسنة أو السيئة التي تتأصل في النفس في هذه المرحلة تصحب الإنسان في الأغلب بقيةَ عمره. الثالث: أن الحياة والأوضاع الاجتماعية المعاصرة تشهد خللًا في الميدان الخلقي والسلوكي، والمؤسسات التعليمية لا تولي هذا الجانب القدر اللائق به.