هذا من حيث حجية المرسل عمومًا. أما حديث مكحول فذكر الإمام الزيلعي الحنفي أنه غريب قال: وأسند البيهقي في المعرفة في كتاب السير عن الشافعي قوله قال أبو يوسف إنما قال أبو حنيفة هذا لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله أنه قال: (لا ربا بين أهل الحرب أظنه قال: وأهل الإسلام) قال الشافعي وهذا ليس بثابت ولا حجة فيه (2) . وقال فيه الإمام ابن قدامة: ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن، وتظاهرت به السنة، وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول (حديث مكحول) لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به (3) .
وخالف في ذلك من المتأخرين المحدث ظفر أحمد العثماني التهانوي، فيرى أن قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن أقوى ما يكون رواية ودراية، وليس مبناه على مرسل مكحول وحده، بل له على ذلك دلائل عديدة قوية، وله سلف فيه من إبراهيم النخعي في جواز الربا في دار الحرب ووافقه على ذلك سفيان الثوري.
ثم يستدرك فيقول:"مع ذلك فلا شك في كون التوقي عن الربا أحسن وأحوط وأزكى وأحرى خروجًا من الخلاف، وهو الذي ذهب إليه شيخنا حكيم الأمة (1) وأفتى به واختاره ترجيحًا لقول أبي يوسف والجمهور" (2) .
قلت: وأما قصة رهان أبي بكر مع المشركين فقد قيل إن رسول الله قال لأبي بكر هذا سحت فتصدق به (3) . ولو فرض أن رسول الله أجازه على قول من قال بذلك فهذا كان قبل نزول تحريم الرهان في قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (4) . وفي هذا السياق روي عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه وقع للمشركين جيفة في الخندق فأعطوا بذلك للمسلمين مالًا فنهى رسول الله عن ذلك (5) ، وهذا دليل على تحريم التعامل بما هو محرم سواء بين المسلمين وغيرهم، أو بين المسلمين أنفسهم، لأن العلة في المنع هو فساد المحل الذي يتم التعامل فيه.