ولما كان الزنى محرمًا لعينه وغايته -كالربا- فليس من المعقول أن يقال بتحريمه في مكان، وإباحته في مكان آخر، أو إباحته بين ناس، وتحريمه بين آخرين، أو بين أهل دين وبين أهل دين آخر. لأن الله تعالى لما وضع الأحكام والشرائع أراد أن يحكم بها سلوك عباده جميعًا، وهذا الحكم لا يمكن تجزئته. ولما كان الخمر أيضًا محرمًا لعينه ولغايته فلا يمكن لعاقل أن يقول إن هذا النوع منه جائز، وهذا النوع الآخر منه محرم، لأن الحكم فيه وفي أصنافه وأنواعه واحد وهكذا في مختلف الأحكام الأخرى.
الدليل الرابع: أن الدار لا تعد دار حرب في المذهب الحنفي إلا بالشروط التالية: أولها- أن تجري أحكام الشرك فيها على الاشتهار. الشرط الثاني- ألا يحكم فيها بحكم أهل الإسلام، فلو أجريت فيها أحكام المسلمين وأحكام أهل الشرك لا تعد دار حرب. الشرط الثالث- ألا يتخلل بينهما بلدة من الإسلام. الشرط الرابع- ألا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمنًا بأمانه الأول الذي كان ثابتًا قبل استيلاء الكفار، للمسلم بإسلامه وللذمي بعقد الذمة (1) .
وبحكم هذه الشروط تعد الهند متصلة بدار الحرب في بعض الجهات وبدار الإسلام في بعضها الآخر (2) . فلا تنطبق عليها إذًا هذه الشروط، وبالتالي لا مجال للقول بجواز الربا فيها بين المسلمين وغيرهم.
ويجدر القول أيضًا أن مسألة دار الحرب ودار الإسلام في هذا الزمان لم تعد كما كانت؛ فما من دولة غير إسلامية إلا وتتصل في الغالب بدار الإسلام، ويأمن فيها المسلم على نفسه، ناهيك بما أصبح في هذا العصر يحكم الدول من عهود ومواثيق أصبحت بموجبها الدول مسالمة لبعضها؛ فلا محل إذًا للاستشهاد بهذه المسألة.
وعلى هذا فإن الزيادة التي تدفعها البنوك في البلاد غير الإسلامية مما يعد في حكم الربا المحرم، لا فرق في ذلك بين بلد إسلامي وغير إسلامي.