فهرس الكتاب
فظهر أن فعل حاطب رضي الله عنه خطأٌ يحتاج فيه إلى إزالة اللبس عنه، ثم جاء الوعيد الشديد على من فعله بعد ذلك بأنه قد ضل سواء السبيل أي فلا عذر له ثم زاده الرب الرحيم بيانًا له ولمن وفقه الله من المؤمنين. فقال (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) .
ثم هذا الأمر الذي لأجله تستميلون قلوب الأعداء مصانعة وهو الخوف على الأولاد والأرحام والقرابة، لن ينفعكم يوم القيامة هناك يفصل بينكم والله بما تعملون بصير.
فصل
إذا تبين ذلك فكيف تطيب نفس المسلم فضلًا عن منتسب للعلم والقضاء أن يجعل معاونة الكفار ومظاهرتهم على حرب الإسلام والمسلمين معصية كسائر المعاصي دون الكفر فمن فعل ذلك فهو ما زال على الإسلام ولو قام ضده ما دام له مصلحة وزيادة على ذلك الافتراء على صحابي جليل رفع الله له قدره وغفر له لأنه ما زال من قوم يحبهم الرب ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فيفترى عليه بأنه عاون المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل مصلحته الخاصة، سبحان الله ما أعظم شأنه، ونعوذ بالله من الافتراء على أولياء الله وتحميل كلامهم وأفعلاهم مالا تحتمله.
ومن العجب غير أن لا عجب في هذه الأيام في مثل هذه المسائل لأنه قد عرف السبب أن السياق واضح في معرفة حاطب أن المظاهرة كفر وردة ورضى بالكفر بعد الإسلام، والمفتي قد ساق ذلك بحروفه ثم يوهم القراء أن حاطبًا أقدم عليها لتحصيل مصحلة خاصة.
ثم عمر رضي الله عنه كذلك ظن أنه قد نافق إذ أقدم على ما هو كفر وردة لكن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد سبق له ما حفظ الله به إيمانه، وأن مثله لا يستحسن الكفر والردة لما سبق له من السابقة، بل هو ثابت على إيمانه باق على يقينه.
وكذلك سياقه لكلام الحافظ الواضح بما ذكرنا، ثم هو يسوقه، ولا ينتفع به وذلك أن قول الحافظ: (فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه) بين واضح والحمد لله بصحة ما تقدم تقريره، ولكن التوفيق بيد الله فمنه نستمده.
خامسًا: نقله لكلام ابن حزم لا وجه له، وإنما هو تكثر بالنقولات ولو كانت أجنبية عن الموضوع، فنحن تجاه المجيب حينما نقل كلام ابن حزم بين أمرين أحلاهما مر.
الأول: أنه نقله وهو لا يعرف أنه لا صلة له في الموضوع، بل هو في مسألة أخرى وموضوع آخر.
الثاني: أنه يعلم ذلك ولكنه أراد التكثر بالنقولات، فكم من القراء من لا يفطن لذلك. وإلا فكلام ابن حزم هو في مسلم استظهر بالكفار على المسلمين، والمستفتي يسأل عن مسلم ظاهر الكفار على المسلمين وفرق بين المسألتين.