فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 370

فمنطلقات بعض المفكّرين في تحديد هوية هذا الدين محصورة في أغلب الأحيان في المصلحة الدنيوية وعدم النظر إلى مصلحة الدين والآخرة والذي هو أولى من جميع الضرورات والمصالح بإجماع الأمّة كما قال الشاطبي رحمه الله، فمصلحة الدين مقدمة على أي مصلحة، وضرورة الدين أرجح من كل ضرورة، ولذلك لا قيمة لحظ الإنسان أمام أحكام الشريعة. (نفس المرجع) .

هذا بإيجاز أمّا فيما يخص مفهوم القدرة فأقول:

القدرة أو الاستطاعة أو التمكّن كلمات لها معنى واحد وهو: عدم وجود مانع يمنع من أداء فريضة ما من الفرائض.

فبالعجز وهو عكس القدرة يسقط التكليف سواء في الجهاد أو الصوم أو غيرهما. ليس سقوطا كليّا ولكن إلى حين حصول الاستطاعة: قال تعالى: (وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) وقوله في الحج: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .. فعلّق الصوم لعارض المرض والحج لقلّة اليد إلى حين..

كما أنّ هناك فرق بين شرط القدرة في التكاليف الفردية المكلّف بها كل مسلم ولا تسقط عنه بأيّ حال من الأحوال إلاّ عند العجز وبين شرط القدرة في العبادات الجماعية أي التي لا يتحقق بها المقصود إلا بالعمل الجماعي.

فالشرط الأول يبقى قائما ومطالبا به المؤمن إلى حين تمكّنه من تحقيق الاستطاعة أمّا الشرط الثاني فيسقط بمجرد وجود طائفة ما ترى في نفسها القدرة على التغيير, وليس شرطا أن تتحقق القدرة في جميع الطوائف بل إنّ تخاذل بعض هذه الطوائف هو الذي يعيق تحقيق القدرة. قال الإمام النووي: (قال أصحابنا: الجهادُ اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد مسلم, فيتعيّن عليهم الجهاد، فإن لَم يكن في أهل ذلك البلد كفاية, وجب على مَن يليهم تتميم الكفاية) (شرح النووي 8/63) .

فافتراض العجز في أمة أو شعب من الشعوب لا يكون بأيّ حال من الأحوال وهو هزيمة نفسية وايمانية وليس عجزا حقيقيا يبرّر القعود.

قال السلف: إن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر.. (شرح النووي على مسلم، 12/229) .

وقال العلاّمة عبد الرحمن بن حسن: ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف. (الدرر السنية 7/ 98) .

وقال شيخ الإسلام: ولما كان الجهاد من تمام ذلك - أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- كان الجهاد أيضا كذلك فإذا لم يقم به من يقوم بواجبه أَثِم كل قادر بحسب قدرته، إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته. اهـ. الفتاوى (28/126) .

وسقوط جهاد الكفّار للعجز ليس معناه عدم مشروعيته, بل اذا قام به فرد جاز له ذلك (استحبابا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت