فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 370

جهادهم بدعوى عدم القدرة على إزالتهم، ونحن نقول نفس الشيء بالنسبة للحاكم إذا كفر فإن عدم قدرتنا على إزالته ليست مانعة من القيام بما نقدر عليه من الأمور الواجبة علينا تجاهه والله أعلم. ...

القدرة بين مفهومها الصحيح ومفهومها المستحدث

قبل أن أتكلّم عن مفهوم "القدرة" لابدّ من الحديث عن مفهوم "المصلحة" من منظورها الشرعي والتي هي في الأصل محور كلّ الحوارات ولأجلها اشترط من اشترط, وتوسّع من توسّع في معنى القدرة وتحديد شروط تحقيقها ليتمّ بالتالي (في نظرهم) تحقيق المصلحة.

قال الامام الشاطبي رحمه الله: المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع (الاعتصام) .

فالمقاصد التي يتكلم عنها الامام الشاطبي هي مقاصد ومصالح الشريعة المبنية على النظر الأخروي كما قال في عدّة مواطن ومنها قوله: المصالح المتجلية شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية.

وكذلك قوله: إن المصالح هي بنظر الشارع لا بنظر المكلف، أي أن حكم الله تعالى في الجزئي (الدليل الخاص) هو الذي يحقق المصلحة، وإن فاتت بعض المصالح لدى النظر القاصر. ومن قوله كذلك: (( إن الكلي لا يقدح بالجزئي ) ). أي أن المصلحة لا تلغي الحكم الخاص بالمسألة، وإن بدا للناظر التعارض، لأنه ما من مسألة إلا ويتجاذب فيها عدة قواعد، فالشارع يلحقها بالأشبه، ولا يعرف الأشبه إلا بالدليل النقلي لا العقلي، ويغلف ذلك كله أن من مقاصد التشريع ومن مصلحة الشريعة هو حصول الابتلاء. اهـ

ويقول رحمه الله: الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلّف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله. اهـ

فتأمّل أخي المسلم في قول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى وقارن بينه وبين قول من جعلوا الشريعة ألعوبة بيد الناس يستصلحون منها ما يشاءون، ويردون منها ما يريدون؟.

كلامي هذا لا يعني ردّ القواعد وعدم اعتبارها عند الترجيح والنظر، ولا إلغاء المصلحة الشرعية، ولكن القصد من ذلك هو أنه لابد من اعتماد الأدلة الشرعية في الاحتجاج وليس مجرد التشهي والهوى، ففرق كبير بين من نظر إلى مقاصد الشريعة من جهة أنها تسعى لتحقيق الآخرة وأن المقاصد الأخروية هي الغاية وبين من نظر إلى الأحكام على اعتبار دنيوي فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت