فاستضافتهم في مقرها داخل مكاتب العمل؛ فلا يملكون غير القصر الرئاسي المحترق الجوانب، المتهاوي الدعائم .. والذي تبدوا على جدرانه من بعيد بصمات أيادي"قسم المدفعية الثقيلة"لحركة الشباب المجاهدين. ولكن - ولأسف الحكومة المرتدة المعترف بها دوليًا- ترحب ضيوفها فيما عندها، وتفرش لهم فوق قطع الحديد المتشظي، وعلى مقربة من السواتر الترابية للأوغنديين والبرنديين. وكأن لسان حالهم يقول:"أهلًا ومدفعًا ومرحبًا وقصفًا"! فهذا المكان الذي يقع على مرمى حجر من صفوف المجاهدين هو المكتب والمسكن والمضافة والمتنفس والمعسكر والمغارة والمفرّ والملاذ والملجأ الوحيد المتبقى بيدها ...
وأثناء وجودها في حضن الحكومة المرتدة اشتدّ عليها المرض وأصابتها أنيميا العلم والفقه لسوء التغذية والتربية، كما لوحظ عليها أعراض الهلع والخوف ( xenophobia) من جرّاء الغربة الموحشة وفقدان الثقة التي يشعرونها عند المراهقين الأفارقة، المدججين بالسلاح، وما يتعرضون له من الروائح النتنة التي تصدرها حانات الخمور ومطابخ الخنازير التي تزكم الأنوف، إضافة إلى مقابلة كل صباح وجوه عبدة الصلبان الكالحة التي تعلوها القترة، والأجسام الغريبة التي لم يتعودوا عليها.
وفي الوقت نفسه إنتابها الأرق وذاقت الأَمَرَّيْنِ من العذاب بعدما علمت أن مبنى القصر الرئاسي يقع في خط الدفاع الأول والأخير للحكومة المرتدة، وأدركت أنها وقعت بين فكي الكماشة، وتورطت في وسط المدافع المتبادلة بين"الذين أمنوا"و"الذين كفروا". فكل من كان في مقربة من المنطقة معرض للقصف، ومن نجى من القذائف كان ولا بد أن يجد نصيبه من الشظايا المتناثرة، وألسنة اللهب المتصاعدة، ويمتلأ جوفه من الغبار المرتفع والدخان الأسود.
في هذا الموقف الصعب تأمل أحد المرافقين ضعف الجماعة، فتذكر أيام عزتها وكامل صحتها، متأسفًا على تلك الأمجاد التي مرت كسحابة صيف ثم ولت ظهرها وتلاشى ذكرها، فلم يتمالك نفسه .. وسالت الدموع بين عينيه وأجهش بالبكاء ..
"إنْ يحمِ عن عيني البكا تجلُّدي ... فالقلب موقوف على سبل البكا"
ثم اقترب إلى المريضة وهمس في أذنها:"أتذكرين اليوم الذي تركنا الجهاد في سبيل الله، خوفًا من الموت وحفظًا للمال والولد .. ذلك اليوم الذي بعنا جميع الأسلحة بثمن بخس، ودمرنا الولايات الإسلامية التي كانت تحكم بالشريعة، وأغلقنا أبواب كافة المعسكرات ... وتخلينا عن أسباب القوة، وفرّقنا شمل الشباب المجاهد .. فمن شدة الصدمة أصاب بعضهم جنون، وانحرف بعضهم عن الطريق المستقيم، وسقطت همهم إلى الحضيض .. وأصيبوا بخيبة أمل شديدة"