الصفحة 3 من 43

وكما كان الحال، في جولة الصدامات الأولى في الستينات والسبعينات والثمانينات ... حيث تولى إدارة معارك الفكر والمنهج والعقيدة لكسب راية الشرعية .. علماء وكتاب ودعاة ومجاهدون أشاوس، كان في طليعتهم أمثال سيد قطب، وعبد القادر عودة، وعمر عبد الرحمن، وإخوانهم من مصر، ومروان حديد، وسعيد حوى (3) من سورية الشام، ومصطفى بو علي من الجزائر، وعبد الكريم مطيع من المغرب .. وعلي الأزرق وصالح كركر من تونس، وأبو الأعلى المودودي، من شبه القارة الهندية وباكستان، وغيرهم في بلاد شتى من بلاد المسلمين، فإن على هذا التيار الجهادي المبارك اليوم، وعلى طليعته من العلماء والدعاة والكتاب، وأصحاب الأقلام من خطباء وشعراء وأدباء، أن يؤدوا هذه الراية حقها وأن يحفظوا لذلك الإرث المقدس حقه، بمتابعة النزال في هذا الميدان، وأن يسلموا الراية لمن بعدهم خفاقة كما تسلموها عزيزة مجيدة. فهذه المعركة اليوم ضد صائل اليهود والصليبيين والمرتدين وطلائعهم المنافقة، وأذنابهم من أعوان الفراعنة، هي معركة على الشرعية، أمام هذه الأمة .. والمعركة اليوم هي معركة أمة الإسلام المحتلة المنكوبة من أقصاها إلى أقصاها، وليست معركة نخب من الشباب المجاهد المحدود العدد والعدة ...

وإذا كانت مهمتنا تنحصر في إيقاظ مئات الملايين من المسلمين المخدرين وشبابهم، وهم عدة هذا الدين وأمل تلك الأمة في الدفاع .. وهي المهمة الشريفة التي أمرنا الله تعالى بها، إضافة إلى تكليفنا بفريضة القتال بقوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين} (4) ، حرض المؤمنين، أي كل المسلمين. فإن علينا أن نتقن هذا العمل الذي تصدينا له كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) (5) ، ومن تمام إتقان الجهاد ودعوته .. سد هذه الثغرة الشاغرة اليوم في الذب عن هذا الدين والدعوة لهذا الجهاد، ورد شبهات المبطلين عنه، ودفع أدلة أحفاد (بلعام) من علماء السلاطين وفقهاء البنتاغون اليوم ... أولئك الذين تستروا بحمل أسفار هذا الدين فوق ظهورهم، ثم لم يحملوها.

يجب أداء هذه الفريضة، لاسيما وقد انكفأت كثير من الأقلام خوفا من حملات التشويه العاتية ... وانتكست كثير من الرموز الدعوية، فرارا من زخم الهجمة المعاكسة. وتكممت كثير من أفواه الحق خوفا وطمعا، وراحت تتستر بشتى الأعذار الباهتة .. فكيف نسكت؟ كيف وقد سنها إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله عندما قال: (أأنجو بنفسي وأضل هؤلاء؟!) ، (إذا تكلم الجاهل والعالم يسكت تقية فمتى يعرف الحق؟!) .

ولماذا السكوت اليوم؟!

أنسكت؟ خوفا مما سيتهموننا به وسيقولونه فينا؟! كيف وربنا من فوق سبع سماوات يخاطب حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بتلك اللهجة الصارمة: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} (6) . ويواسيه لما يتحمل من أذى القول، فيقول له تبارك وتعالى: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} (7) ، ويأمرنا {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} (8) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا، فيما روي عنه: (واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء) (9) ، ويقول: (ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم) (10) .

هذه الأوامر، تتخصص وتتعين في حق من أوتوا العلم، الذين فرض الله عليهم البيان، وجعل عقوبة كتمانهم .. اللعنة عند الله وعند الخلائق، فقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (11) ، ويجعل توبتهم مشروطة بالبيان والإصلاح {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم} (12) .

أم نسكت من أجل عرض من الدنيا قليل، يرضي الناس عنا حتى يجودوا علينا بفضلات إحسانهم كي نجاهد في سبيل الله؟ وأين نحن من الجهاد في سبيله إذن وقد كتمنا بعض دينه، وأصبحنا - لا سمح الله ومعاذ - الله شهود زور ... وعلى أي شيء؟! على دينه وكتابه وحق عباده المؤمنين .. نعوذ بالله من الخذلان؟

أم نسكت طمعا في تكديس الأتباع الجهلة، من عباد الأحبار والرهبان .. لنستكثر من هذا الغثاء مقابل ثمن باهظ ليس من حقنا أصلا .. نكتم عنهم جزءا من دين الله، ونشطر لهم قسما من منهجنا، حتى يوافق أهواءهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت