وفي مسك الختام نقول:
نوصي أنفسنا، ومن وقف منافحا بقلمه ولسانه وبيانه عن دين الله وأهل الجهاد، في معركة الحجة وجهاد البينة، ونثبت أنفسنا وإياهم بما ثبت الله به عباده الصالحين في كتابه وسنة حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} (1) ، أفلا يستأهل اللحاق بأصحاب هذه القائمة، ما يلقي المنتسب إليها من عنت وعناء .. والله إنه لشرف تهون دونه المشاق. وكفى بالله حسيبا .. ونعم بالله ناصرا ومعينا.
ويقول عليه الصلاة والسلام: (ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق ... أو يذكر بعظيم) (2) .
أفلا تستأهل الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والوقوف في مثل هذه المنازل، ما يمكن أن يلقي المرء من السفهاء وأعداء الحق وبعض الطيبين .. وقد لقي أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام من مثل هذا أضعافا، أما قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) (3) .
أليس حريا بالمرء وقد عزم على أن ينتمي لهذه الطائفة المباركة، أن يعلم أن دونه في الموقف أرتال المخالفين والمخذلين؟. أما قال صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) (4) ؟ أما وصفهم صلى الله عليه وسلم بأنهم (الذين يصلحون إذا فسد الناس) (5) .
فما يكون حال القابض على درب الهجرة والجهاد والصدع بالحق والجهاد عليه؟ أليس حريا بمن أنزل نفسه منازل الغرباء - نسأل الله الإخلاص والقبول - أن يعد نفسه لتحمل عدوان الظالمين، وجهالة الجاهلين، وخذلان الطيبين، والغربة بين المؤمنين فضلا عن الضلال والمخالفين؟!
نذكر إخواننا الطيبين، ولا سيما الدعاة وطلاب العلم، ونخص المهاجرين المجاهدين .. ممن ألفوا احترام أولئك العلماء واعتادوا تقديسهم وصعب عليهم الحكم عليهم بميزان الحق، فكرهوا الميزان لما حكم على رجالهم المحترمين لديهم، بما لم تطب به نفوسهم ولم تتعوده طباعهم ... نذكرهم بأن يراجعوا أنفسهم ويفتحوا أسماعهم وعقولهم وأفهامهم التي وهبهم الله إياها وهو سائلهم عنها .. نذكرهم ونحذرهم بحال أقوام عطلوا نعمة الله بما وهبهم من العقل والسمع والفهم فكان عاقبتهم النار .. قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (6) ، {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل .. ما كنا في أصحاب السعير .. فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير} (7) ، فنعيذكم وأنفسنا بالله من صفات وأحوال ومآل من هذا حالهم ..
فيا أحبابنا ...
عشرات السنين وأنتم تقتاتون على تلك المقدسات، وترضعون قداستها ورفعتها وهداها ... ثم صبحكم حال رأيتم بأعينكم وسمعتم بآذانكم ما دلكم على خطأ ما كنتم تعتقدون، أفتتبعون الهوى أم العقل والفقه والإيمان!!
هاهي الفتاوى أمامكم تملأ الجرائد والتلفازات والراديوهات والمحاضرات والكتب والمجلات .. سرّ بها العدو، ونكب بها الصديق. ورجفت لها قلوب المؤمنين، ودمعت لها أعينهم وبكت قلوبهم دما .. فعلام المكابرة؟ وإلى متى اتباع أذناب الباطل؟
تسمعون كلام الله تعالى يتلى {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} (8) ، ويسألكم سائل .. هل كتموا؟ تقولون: نعم .. ، هل زادوا على الكتمان بتبديل الحق وطمسه؟ تقولون: نعم، إذن أليسوا من قائمة من لعن الله واللاعنون؟ تقولون: لا .. ! لم؟ لم تلبسون الحق بالباطل وأنتم تعلمون؟! وتسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن أتى أبواب السلاطين افتتن وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا) (9) ، وتسمعون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذرون كما قال حذيفة رضي الله عنه: (إذا رأيتم العالم بباب السلطان فاتهموا دينه فإنهم لا يأخذون من دنياهم شيئا إلا أخذوا من دينهم ضعفيه) .. ثم نسألكم ويسألكم الناس هل جاء أحباركم هؤلاء أبواب السلاطين؟ فتقولون نعم، هل تنصّبوا عندهم في مختلف المناصب؟ فتقولون: نعم .. ، هل اقتربوا منهم؟ فتقولون: نعم .. ، فهل ابتعدوا عن الله ومنهجه؟ لم لا تتهمون دينهم وتخشونهم على دينكم.؟ فلا مجيب! لم إذا وهذه أمامكم أقوال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والإمام ابن تيمية والأئمة الأربعة، وسفيان، والأوزاعي، والإمام الغزالي ... والسلف والخلف، والعلماء كلهم ... لم تنزلونها في علماء الشام والعراق ومصر والباكستان ... والكامرون!! ولا تنزلونها على هؤلاء؟ وهم أحق بها وأهلها، والمصيبة فيهم أفدح.
فالأمر واضح، هو أمر هوى، أو خشية حق، أو كيل بمكيالين، أو دخول في أسر أجهزة الإعلام، أو حالة نفسية خارجة عن قضايا العلم والفهم والدين والمنطق.
فالأمر ليس هين: مقدسات دين، ومصير أمة، وثروات شعوب، ودماء مجاهدين، وأعراض دعاة ومصلحين، هي بالمختصر قضية دين رب العالمين، أفلا تبصرون؟!
ألا عودة لدين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هدي سلف هذه الأمة الصالح، فقد وضح الصبح لذي عينين.