4)النشرة (33) ، بتاريخ 16 جمادي 2/ 1417، 28 اكتوبر 1996، بعنوان: (من هم علماء الإسلام؟) .
هذه النشرة خصصت لمناقشة الجدل الذي أثير حول نشرتين سابقتين نوقش فيهما تصريحات لابن باز وابن عثيمين:
من هم علماء الإسلام
مقالان نشرا في (الإصلاح) أثارا جدلا ونقاشا هاما في أوساط الحركيين الإسلاميين وطلبة العلم، وفي أوساط المهتمين بمصير الدعوة ومصير الحركة الإصلاحية، المقال الأول كان عبارة عن أسئلة موجهة للشيخ ابن عثيمين مبنية على حديث له لصحيفة (المسلمون) والثاني حول كلام منسوب للشيخ ابن باز في الصحافة السعودية.
هذا النقاش جعل البيئة مهيأة للحديث عن العلماء الرسميين وعلاقتهم بالدولة وعلاقتهم بالمشروع الإصلاحي، بشكل أشمل وأعمق، ولربما سنحت الفرصة الآن لوضع النقاط على الحروف في هذه القضية الحساسة، بعد أن مضى من الزمن والأحداث والاختبارات، ما كشف كثيرا من المستور، وشكك في بعض الموروثات، التي تلقاها الناس وكأنها مسلمات.
التمييز بين علماء رسميين وغير رسميين لم يكن واضحا قبل أن تدخل الصحوة في مواجهة مع النظام والتي بدأت بشكل واضح منذ أزمة الخليج الثانية، وتصاعدت بعد ذلك في الخطوات الإصلاحية التي تلت أحداث تلك الأزمة، ثم بلغت ذروتها في الحملة الشرسة ضد العلماء والدعاة، التي شنها النظام قبل سنتين ومازالت قائمة إلى الآن.
ليس المقام هنا مقام تصنيف العلماء، ولكنه استجماع للصورة التي تكونت إثر تلك المحنة والتجربة القاسية، ومن ثم مراجعة المواقف والنظرات تجاه العلماء الرسميين، وخاصة أولئك الذين كانوا يصنفون إلى عهد قريب، وكأنهم جزء من كيان الصحوة والحركة الإصلاحية.
لا يجادل أحد بأن آل سعود يعتمدون بشكل كبير على مؤسسة دينية ضخمة تؤمن لهم (الشرعية) ويجمع كل آل سعود - حتى الملحدين منهم - على ضرورة هذه المؤسسة، لتأمين انقياد الشعب، الذي يشكل الدين جزءا رئيسيا من تركيبته النفسية والثقافية، وأهم مكونات هذه المؤسسة الدينية، هي هيئة كبار العلماء، والقضاة، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورغم ضخامة هذه المؤسسة من حيث العدد، لكن قيمتها المعنوية مرتبطة بعدد قليل جدا من العلماء، منحوها ثقلها في الوقت الحاضر وحولها إلى قوة فاعلة، ولولا الارتباط برمز أو رمزين من أولئك العلماء لتهاوت كل تلك المؤسسة وتهاوى ثقلها تماما، وسبب ذلك أن الذين يشكلون هذه المؤسسة، سواء كانوا أعضاء في هيئة كبار العلماء أو قضاة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هؤلاء نوعين، الأول مغمور غير معروف وليس له تاريخ علمي أو دعوي يجعل منه صاحب ثقل ينتفع به النظام، والثاني مشهور ومعروف لكنه مفضوح في خيانته للدين ومتفق على أنه يأكل بدينه ويبيع الفتاوى ويتاجر بعلمه الشرعي، ويبقى سوى أولئك شخص أو شخصان من المعروفين المشهورين بسعة معرفتهم بالعلوم الشرعية ونشاطهم العلمي والتدريسي، وفي نفس الوقت صلاحهم على المستوى المالي والسلوكي، ونجاتهم من مشكلة المتاجرة (ماليا) بالفتاوى والمرافق الدينية.
قبل أن تبدأ مواجهة الصحوة مع النظام، وقبل أن يدخل العلماء في اختبار (تغيير المنكر) كان قد سطع نجم هؤلاء للسببين المذكورين سابقا، ولسبب آخر هو غياب المواجهة بين الإسلام والنظام مما جعل المقياس محدودا على الصلاح الشخصي والأمانة المالية ودرجة الزهد والتنسك، أما اختبار العلماء على قدر مواجهتهم للظلم وصدعهم بالحق وإنكارهم للمنكر، فلم يكن ذلك الميدان قد فتح بعد، ولذا فاز نفر قليل من العلماء الرسميين بالقبول لدى الناس، وكسبوا مصداقية كبيرة.
جاءت أزمة الخليج وكان الاختبار الأول فانكشف العلماء الرسميون لأول وهلة ولم يقل واحد منهم كلمة الحق، بل لقد تجاوز بعضهم الفتوى بجواز الاستعانة بالكفار إلى جعلها واجبة ومن ثم آثم من لم يقم بها. وحين تحرك الدعاة والعلماء ينتقدون الأوضاع الخاطئة سعيًا لتغيير المنكر بلسانهم وقيامًا بواجب البلاغ والصدع بالحق الذي تخلف عنه أولئك الرسميون، حدث تطور آخر.
حيث تشكل بأمر ملكي لجنة خماسية يرأسها الشيخ بن باز مهمة هذه اللجنة تأديب أولئك الدعاة وفصلهم عن الخطابة ومنعهم من تأدية الواجب الشرعي، وتقوم هذه اللجنة بدراسة القوائم التي تقدمها لها وزارة الداخلية والتقارير التي يعدها جهاز المباحث، ثم تقرر من خلال ذلك أن فلانًا يجب إيقافه عن الخطابة أو التدريس، وفلانًا يجب فصله تمامًا وفلانًا يجب تنبيهه. وإذا قدمت القوائم لهذه اللجنة فقلما ينجو منها أحد فالجميع يوقف أو يفصل، وعلى يد هذه اللجنة فصل عشرات بل وربما مئات من الخطباء والدعاة.
وفي حين كانت فتوى الهيئة بإضفاء الشرعية على احتلال الكفار لجزيرة العرب دعمًا شرعيًا دون حدود للنظام، فقد كان تشكيل اللجنة الخماسية المرة الأولى التي ينكشف فيها كون هذه المؤسسة جزء من النظام.
لقد ظن الكثير من الدعاة والمصلحين أن هذا التطور دخيل على أعضاء هذه المؤسسة والحقيقة هي غير ذلك، فلم يكن هناك تغير في سياسة وتفكير أولئك العلماء وكل الذي حصل أنهم أصبحوا في الواجهة مع النظام فانكشف الدور بعد أن كان لا مواجهة.
بعد ذلك أخذت مواجهة الدعوة من قبل هذه المؤسسة الدينية شكلًا سياسيًا مفضوحًا حين أصدرت هيئة كبار العلماء بيانًا ضد خطاب المطالب، وتحولت إلى مدافع عن النظام ضد الدعاة والمصلحين، وكذلك ضد الشعب كله الذي دعم هذه المطالب.