ولم يكن بيان الهيئة ضد خطاب المطالب زلة أو هفوة بل كان عملًا مؤسسًا مقصودًا، وثبت ذلك حين تكرر ذلك الموقف في بيان الهيئة ضد مذكرة النصيحة، ذلك البيان الذي احتوى من العبارات ما لا يقبلها حتى المسلم العامي، لأنه تهجم على النيات والمقاصد واتهم معدي المذكرة بسوء النية وقصد التخريب، ثم عادت الهيئة وكررت العملية في بيانها ضد لجنة الدفاع، توطئة للحملة الأمنية التي شنت ضد اللجنة بعد ذلك جاءت مرحلة المواجهة الحقيقية والشاملة مع الدعوة والمصلحين وعلماء الحق، حيث سخرت الهيئة مظلتها وخاصة الشيخ عبد العزيز بن باز لاعتقال الشيخين سلمان وسفر، في خطاب طويل، استخدمه النظام علنًا في تبرير اعتقال الشيخين وشن الحملة الضخمة على المصلحين والدعاة.
ومنذ أن اعتقل الصفوة من العلماء وازدادت حملة القمع والاعتقال وأعلنت الحرب المكشوفة على الدعوة والهيئة لا تزال في ولائها المطلق وطاعتها التامة للنظام، وتكرر الموقف تلو الموقف في التفاني في تزكية النظام والدفاع عنه واتهام كل من يسعى لإنكار المنكر بإثارة الفتنة والبلبلة، بل وأبعد من ذلك التبرع بمجموعة من الفتاوى في وصف أعمال أخرى بالفساد في الأرض وضرورة تطبيق حد الحرابة على فاعليها.
إن إدراك هذه القضية وتصورها على الوجه الصحيح ضروري جدًا لسلامة مسيرة الصحوة، وهناك فرق كبير بين أن يعتبر هؤلاء العلماء جزء من كيان الصحوة ودعاة الإصلاح وعلماء الدعوة، أو أن يعتبروا جزءًا من النظام بل ركنًا من أركانه وأكثر أهمية له من جهاز المباحث وجهاز الإعلام.
إن مهمة العالم في الإسلام ليست مجرد صلاحه الشخصي ونزاهته المالية، بل إن مهمته هي التوقيع عن الله، وحمل أمانة العلم، ووراثة النبوة، والعالم يقترف جريمة عظيمة لمجرد قعوده عن واجب البلاغ وكتمان العلم، قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويلعنهم اللاعنون} .
ولا يسلم العالم من هذه اللعنة - لعنة الكتمان - إلا إذا أدى ما جاء في الآية التي تتلوها {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} .
وكتمان العلم ليس هو كتمان الكتاب والسنة فلا أحد يستطيع كتمان الكتاب والسنة، لكنه عدم إنزالها على الوجه الصحيح، في النوازل التي يستوجب على العالم إنزال النصوص عليها. هذه الجريمة العظيمة إذا اكتفي بالكتمان فقط، فكيف إذا خان الأمانة، وكذب على الله حين يبلغ عنه غير ما أراد سبحانه في كتابه وسنة رسوله.
فهؤلاء هم المقصودون بقول الله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} .
هذه هي الطريقة التي وصف القرآن بها العلماء وميز بها من يقوم بواجب البلاغ أو يكتم البلاغ وأشد من ذلك من يكذب على الله ويخون الأمانة.
والحديث هنا ليس في مقام نصح وتذكير أولئك العلماء ولو أن نصحهم وتذكيرهم واجب مهما عظمت جريمتهم، لكنه حديث موجه لشباب الدعوة، وكل المنتمين لمسيرة الإصلاح أن يعرفوا رجالهم.
إن تراكم الشهرة والسمعة الحسنة لبعض العلماء الذي اجتمع قبل أن يبدأ الاختبار الحقيقي ينبغي أن لا يحرفنا عن الطريقة القرآنية في معرفة العلماء المتبعون المطاعين.
وليس المطلوب هنا تجريم فلان أو سب فلان أو لعن فلان، لكن المطلوب هو ألا يخدع شباب الإسلام نفسه ويستمر في التعامل مع أولئك العلماء وكأنهم قيادات إصلاحية ورؤوس في إنكار المنكر.
إن توقير شخص معين لعلمه ولسنه أو لجهد بذله في يوم من الأيام، لا يعني أبدًا وضعه في موضع القيادة والاتباع واللجوء عند النوازل، بل الأولى الرجوع إلى القرآن والسنة وتعلم طريقة التعامل مع العلماء على ما ورد في القرآن والسنة، ومعرفة العلماء الحقيقيين الذين تستفتيهم الأمة وتنزل عند اختياراتهم.
وما نقل عن الشيخ ابن عثيمين في جريدة المسلمون وما نقل عن الشيخ ابن باز في الصحافة السعودية، مما تناوله مقالي (الإصلاح) يمثلان نموذج الانكشاف لهذه المجموعة.
وهي فرصة لمن يريد التقييم على الطريقة القرآنية والنهج المحمدي، والقريبون من الشيخين يلاحظون التزامهما على المستوى الشخصي من حيث العبادة والاستقامة ومن حيث النزاهة المالية والزهد، ويلاحظون كذلك سعة علمهم الشرعي وقدراتهما في التدريس والتعليم، لكنهم يلاحظون كذلك ما عنيناه في كلامنا السابق من مشكلة كبيرة في القضية الأهم وهي قضية قيامهم بواجب البلاغ.
نحن نتمنى على الشيخين ابن باز والشيخ ابن عثيمين؛ أن يتوبا إلى الله ويصلحا ويبينا بمعنى بأن يعترفا بما كان مخالفًا من كلامهما للشرع وينبها الأمة على هذا الخطأ كما جاء في هدي القرآن. ونتمنى أن يتحول الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين إلى صادعين بالحق مواجهين للظلم، محاربين للطغيان، داعمين لكل راية دعوة وإصلاح.
غير أن الأهم هو أن يدرك شباب الصحوة والمنتمين لمسيرة الإصلاح حقيقة العالم العامل، الداعي لعلمه، الصابر على الأذى فيه، المجاهد في سبيله. وحقيقة العالم الذي كتم ما علمه الله، بل كذب على الله ورسوله وخان الأمانة.
لقد مضى من الزمن ما يكفي للاختبار، ولقد أثبتت الأيام أن هيئة كبار العلماء وكل المنتسبين لها لم يقفوا ولا موقفًا واحدًا مع الدعوة وضد الظلم. ولقد سجلت كل مواقفهم مع الظلم والطغيان وضد الدعوة، وأنه لمن الحمق وسوء التصرف أن يلجأ المرء لعدوه من أجل أن يحميه.
إن مشكلة أعضاء المؤسسة الدينية ليست مجرد العجز، فالعاجز بإمكانه أن يعترف بعجزه ويقول: (أنا عاجز) ويستقيل ويخرج منها كفافًا، لكن أحدًا منهم لم يعمل بذلك ولو عمله لصنع خيرًا كثيرًا، لكن مشكلتهم هي الوقوف بثقل وجدية ونشاط مع الباطل وتأييده بالكلمة والموقف والفتوى والدفاع عنه بما يستطاع.