5)النشرة (155) ، بتاريخ 9 ذي الحجة 1419هـ، 5 أبريل 1999م، وهي بعنوان:
رسالة مفتوحة إلى الشيخ عبد العزيز بن باز
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فإنه حري بالمسلم أن يستمع للموعظة والتذكير حتى لو كان في سعة من العيش ووفرة في الصحة وبحبوحة من الأمان، فكيف إذا نزلت به نازلة آذنت بدنو الأجل واقتراب لقاء الله؟
يا سماحة الشيخ:
لقد تعرضت للابتلاء حين سهل الله لك طريق العلم وسخر لك الحكام فترقيت في المناصب وتبوأت مسؤولية الفتوى الرسمية وعينت رئيسًا لهيئة كبار العلماء، ولذلك فإن ابتلاءك لم يكن بمجرد تحصيلك للعلم، وهو بلاء عظيم في حد ذاته، ولكنه في تمكينك من منصب الفتيا الرسمية التي تملك من خلالها سلطة وقوة ووسائل الإعلام والتبليغ التي لا يملكها الآخرون من العلماء وطلبة العلم. ثم أن الله زاد بلاءك فأعانك على سبل العيش ووسع لك في الرزق ومد لك في العمر طويلًا وأنت ترفل في تلك المناصب والنعم وتتمتع بتلك السلطة والنفوذ.
يا سماحة الشيخ:
مثلك ليس المعلَّم عظم تلك المسؤولية وخطورة ذلك البلاء، ومثلك لا يخفى عليه معنى قوله سبحانه {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} فالعالم يستحق اللعنة من الله ومن اللاعنين إذا كتم الحق حتى لو كان من آحاد العلماء فكيف إذا كان متبوئًا لمنصب الفتيا وممكنًا من وسائل التبليغ والإعلام.
وكان من عظم تلك الجريمة أنه لا يكفيها مجرد التوبة منها واستكمال شروط التوبة الواردة في الذنوب الأخرى بل أن العالم لا يسلم من اللعنة - لعنة الكتمان - إلا إذا أدى ما جاء في الآية التي تتلو السابقة وهي قوله تعالى: { .. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ، فلابد من الإصلاح والتبيين وإرشاد من تسبب العالم بضلالهم إلى الحق الصحيح.
اسمح لنا يا سماحة الشيخ أن نستعرض سجلكم من خلال السنين الماضية في قضية البلاغ:
لقد صدر عنكم أقوال كثيرة تزكون فيها الدولة وتصفونها بأحسن الأوصاف الشرعية رغم أنكم على اطلاع كامل وتفصيل على ما يجري في البلد وكل تفاصيل المخالفات الشرعية التي يرتكبها النظام على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد المتنفذين.
بل إنكم كما يعرف القريبون منكم أعلم بكثير مما يدعون أنهم على علم بما يجري لأن معظم أهل الإصلاح يوصلون ما عندهم من أخبار ومعلومات وملاحظات ونصائح إليكم، ولقد شهدنا شخصيًا جلسات كثيرة بسط فيها الواقع لكم بشكل تفصيلي ليس فيه مواربة، بل إننا نستطيع أن نقول أن الحجة قد أقيمت عليكم وأن الذمة قد برأت معكم من قبل عدد كبير من المشائخ وأساتذة الجامعات والمصلحين، وإن إقامة الحجة في بيان الواقع على التفصيل لكم قد حصل مرارًا وتكرارًا من قبل أناس تثقون بهم وتأخذون بحديثهم. ولا أدل على ذلك من مذكرة النصيحة التي قدمت لكم وراجعتها اللجنة الخماسية وهيئة كبار العلماء وأنتم ترأسون تلك الجهتين، ولا يجادل أحد أن تلك المذكرة حجة على من قرأها.
ونحسب أنه لا يسعكم الاعتذار بحجة أنكم لا تتعرفون إلا على ما يطلعكم النظام عليه، بل أنتم على دراية تفصيلية بالأوضاع، ومتابعة إجبارية أجبركم عليها عدد كبير من الدعاة والمصلحين وطلبة العلم.
ولذلك فلربما ترتكبون خطأً عظيمًا ومنزلقًا خطيرًا حين تزكون الدولة هذه التزكية، وأنتم تعلمون حاليًا وتعلمون كذلك من خلال اطلاعكم الشرعي خطورة مثل هذا العمل، فمثلكم ليس غريبًا على مؤلفات وأقوال علماء الدعوة وخاصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
فإذا كنتم تعلمون يقينًا أن النظام يحكم بغير ما أنزل الله رغم تكرار التنبيه والنصيحة، فما هو موقفكم من قول محمد بن عبد الوهاب عن أولئك الذين يزكون من يحكم بغير ما أنزل الله، قال رحمه الله: (إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب طاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام كيف لا وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويسعون في الأرض فسادًا بقولهم وفعلهم وتأييدهم، ومن جادل عنهم، أو أنكر على من كفرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلًا لا ينقلهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق، لأنه لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم) [الرسائل الشخصية 188] .
فإذا كان مجرد عدم التكفير جريمة كبرى عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكيف بمن يصفهم بأحسن أوصاف الإسلام ويزكي دولتهم ونظامهم، ويحمل على من أنكر عليهم.
وأنتم يا سماحة الشيخ تعلمون يقينًا أن النظام قد فرض الربا فرضًا على الناس وأقام له الصروح العاتية ودعمه بخزينة الدولة وجعل اقتصاد الدولة قائمًا عليه.
وتعلمون يقينًا أن النظام يوالي الكفار ويدعمهم وينصرهم ويستنصر بهم ويمكن لهم وينفذ مخططاتهم ويتآمر معهم ضد المسلمين، وتعلمون يقينًا أن النظام يشجع الفساد الخلقي ويساهم في انتشاره من خلال الإعلام والتعليم ومن خلال دعم خلايا الفساد المحمية من قبل الأمراء ومن خلال تحجيم الدعوة وتعطيلها.
وتعلمون يقينًا ما يرتكبه النظام من جرائم ضد الدعاة وما يشنه من حرب عليهم سجنًا وتشريدًا وحصارًا وإرهابًا، بل إنكم من أعلم الناس بذلك لأنكم غالبًا ما تكونون أول من يخبر عن حادث اعتقال أو مداهمة أو إيقاف أو مثله.
وتعلمون يقينًا أشكال الظلم الواقعة على الأفراد والجماعات والقبائل من قبل النظام كنظام ومن قبل المتنفذين فيه كأفراد، لأن كثيرًا من المظلومين غالبًا ما يلوذون بكم ويكتبون لكم مستنجدين.
إن مشكلتكم يا سماحة الشيخ ليست مجرد تزكية النظام بل لقد اضطررتم للتناقض أكثر من مرة بسبب مداراة النظام ومن أمثلة هذا التناقض الصريح فتوى تحريم الاستعانة بغير المسلمين التي وجهت لجمال عبد الناصر، والتي قلتم فيها أن الاستعانة لا تجوز حتى عند الضرورة، ومرت السنين وانقلبت الصورة فلم تكتفوا بتجويز الاستعانة للضرورة بل اعتبرتموها واجبة وأثم من لم يعملها.