الصفحة 8 من 43

5)وحينما قرر النظام البطش بالشيخ سلمان العودة والشيخ سفر الحوالي - اللذين صدعا بالحق وتحملا في الله الأذى استصدر منكم فتوى سوغ بها كل ما تعرض ويتعرض له الشيخان ومن معهما من دعاة ومشائخ وشباب الأمة من البطش والتنكيل، فك الله أسرهم ورفع عنهم ظلم الظالمين.

هذه بعض الأمثلة التي لم نقصد منها الحصر، ولكن اقتضى المقام ذكرها ونحن بين يدي فتواكم الأخيرة بشأن ما يسمى بهتانا بالسلام مع اليهود، التي كانت فاجعة للمسلمين، حيث استجبتم للرغبة السياسية للنظام لما قرر إظهار ما كان يضمره من قبل من الدخول في هذه المهزلة الاستسلامية مع اليهود، فأصدرتم فتوى تبيح السلام مطلقا ومقيدا مع العدو، فما كان من رئيس وزراء العدو الصهيوني وبرلمانه إلا أن صفقوا لها وأشادوا بها، كما أعلن النظام السعودي عقبها عن نيته في تنفيذ المزيد من التطبيع مع العدو.

وكأنكم لم تكتفوا بإباحة بلاد الحرمين الشريفين القوات الاحتلال اليهودية والصليبية، حتى أدخلتم ثالث الحرمين في المصيبة بإضافتكم الصبغة الشرعية على صكوك الاستسلام التي يوقعها الخونة والجبناء من طواغيت العرب واليهود.

إن هذا الكلام خطير كبير، وطامة عامة لما فيه من التلبيس على الأمة من عدة جوانب منها:

1)أن العدو اليهودي الحالي ليس عدوا مستقرا في بلاده الأصلية محاربا من الخارج حتى يجوز معه الصلح، بل هو عدو منتهك للعرض مغتصب للأرض الإسلامية المقدسة التي بارك الله فيها ورواها الصحابة بدمائهم الذكية فهو عدو صائل مفسد للدين والدينا، وعليه ينطبق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدينا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء، أصحابنا وغيرهم) اهـ [الاختيارات الفقهية ص309 - 310] .

إن الواجب الشرعي تجاه فلسطين وإخواننا الفلسطينيين من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا هو الجهاد في سبيل الله وتحريض الأمة عليه حتى تحرر فلسطين عن آخرها وتعود السيادة الإسلامية.

وفلسطين في غنى عن مثل هذه الفتاوى المخذلة عن الجهاد والمخلدة إلى الأرض، هذه الفتاوى التي تقر احتلال العدو لأقدس مقدسات المسلمين بعد الحرمين الشريفين، وتضفي الصبغة الشرعية عليه، وتدعم بكل قوة مساعي العدو لضرب الجهود الإسلامية المتلهفة لتحرير فلسطين عن طريق الجهاد الذي أكد - من خلال عمليات أبطال الحجارة وشباب الجهاد المسلم في فلسطين - أنه السبيل الوحيد الناجع في مواجهة العدو والكفيل بتحرير الأرض إن شاء الله.

ونذكركم هنا بفتواكم السابقة في هذا الشأن، لما سئلتم عن السبيل لتحرير فلسطين، فقلتم: (إني أرى أنه لا يمكن الوصول إلى حل لتلك القضية إلا باعتبار القضية إسلامية، وبالتكاتف بين المسلمين لإنقاذها، وجهاد اليهود جهادا إسلاميا، حتى تعود الأرض إلى أهلها، وحتى يعود شذاذ اليهود إلى بلادهم) . اهـ [مجموعة فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز 1/ 281] .

2)هب أن هذا العدو اليهودي عدو يجوز معه الصلح وتوفرت فيه الشروط، فهل تقوم به الأنظمة والحكومات الطاغوتية العربية الانهزامية مع اليهود من سلام كاذب مزعوم يعتبر سلاما تجوز إقامته مع العدو؟

الكل يدرك أنه ليس كذلك، فهذا السلام المزعوم الذي يتهافت فيه المتهافتون الآن من الحكام والطواغيت مع اليهود ما هو إلا خيانة كبرى تتمثل في توقيع صكوك استسلام وتسليم للقدس وفلسطين كلها من قبل هذه الحكومات لليهود، والاعتراف بسيادتهم عليها إلى الأبد.

3)إن هؤلاء الحكام المرتدين المحاربين لله ورسوله لا شرعية لهم، ولا ولاية لهم على المسلمين، وليس لهم النظر في مصالح الأمة، ولكنكم بفتواكم هذه تعطون الشرعية لهذه الأنظمة العلمانية وتعترفون بولايتها على المسلمين، وهذا ما يتناقض مع ما عرف عنكم من تكفيرها في السابق، وقد بين لكم ذلك نخبة من العلماء والدعاة في مناشدتهم إياكم سابقا بالامتناع عن هذه الفتوى، وسنرفق لكم صورة من تلك المناشدة تذكيرا لكم وتنبيها.

إن فتواكم هذه كانت تلبيسا على الناس لما فيها من إجمال مخل وتعميم مضل، فهي لا تصلح فتوى في حكم سلام منصف، فضلا عن هذا السلام المزيف مع اليهود الذي هو خيانة عظمى للإسلام والمسلمين، لا يقرها مسلم عادي فضلا عن عالم مثلكم يفترض فيه ما يفترض من الغيرة على الملة والأمة.

إن الواجب فيمن يتصدى للفتوى في قضايا الأمة الخطيرة الكبيرة، أن يكون على علم بأبعادها وما قد يترتب عليها من أضرار وأخطار، لأن العلم بذلك من شروط المفتي التي لا غنى له عنها.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق على الآخر) اهـ [إعلام الموقعين 1/ 87] .

وإذا كانت هذه الشروط لازمة للفتوى بصورة عامة، فإنها تتأكد في الفتوى فيما يتعلق بالجهاد والصلح ونحوه.

ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا) . اهـ [الاختيارات الفقهية ص311] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت