إن الفتاوى السابقة لو صدرت عن غيركم لقيل بتعمد صاحبها ما تتضمنه من الباطل، ويترتب عليها من آثار وأخطار، ولكنها لما صدرت منكم تعين أن يكون سبب الخلل فيها غير ذلك من الأسباب التي لا ترجع إلى نقص علمكم الشرعي، ولكن لعدم إدراك حقيقة الواقع، وما يترتب على مثل هذه الفتاوى من آثار، مما يجعل الفتوى حينئذ غير مستوفاة الشروط ومن ثم لا يصح إطلاقها، مما يحتم على المفتي عندئذ أن يتوقف عن الفتوى أو يحيلها إلى المختصين الجامعين بين العلم بالحكم الشرعي والعلم بحقيقة الواقع .. وقد ثبت أن الإمام أحمد بن حنبل كان يتوقف في كثير من المسائل وقد كان الإمام مالك إذا سئل عن القراءات أحال إلى الإمام نافع رحمهم الله جميعا.
فضيلة الشيخ:
إن إشفاقنا البالغ لحال الأمة والعلماء من أمثالكم هو الذي دفعنا لتذكيركم، فإننا نربأ بكم وبأمثالكم عن أن يستغلكم النظام الحاكم هذا الاستغلال الفظيع ويرمي بكم في وجه كل داعية ومصلح، ويسكت بفتاواكم ومواقفكم كل كلمة حق ودعوة صدق، كما حدث عند ردكم على (مذكرة النصيحة) ، و (لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية) ، وغيرها.
فضيلة الشيخ:
لقد تقدمت بكم السن، وقد كانت لكم أياد بيضاء في خدمة الإسلام سابقا، فاتقوا الله وابتعدوا عن هؤلاء الطواغيت والظلمة الذين أعلنوا الحرب على الله ورسوله، وكونوا مع الصادقين .. وإن لكم في سلف الأمة وخلفها الصالح أسوة حسنة فقد كان من أبرز سمات العلماء الصادقين الابتعاد عن السلاطين، فقد فر الإمام أبو حنيفة رحمه الله وغيره من فساد الدين وسوء الحال، وفي زماننا هذا، حينما أدرك العلامة الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله خطورة المسار الذي يمضي فيه النظام السعودي الحاكم وما يترتب عليه من خطر وضرر لمن يشاركه أو يختلط به آثر الفرار بدينه واستقال من رئاسة مجلس القضاء الأعلى.
وقد قال الإمام الخطابي رحمه الله في التحذير من الدخول على هؤلاء الحكام: (ليت شعري من الذي يدخل عليهم فلا يصدقهم على كذبهم ومن الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم ومن الذي ينصح ومن الذي ينتصح منهم؟) اهـ [كتاب العزلة] .
وقد صح في الحديث (من أتى أبواب السلطان افتتن) ، فاحذروا فضيلة الشيخ الركون إلى هؤلاء بقول أو عمل {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء، ثم لا تنصرون} (3) .
إن من لم يستطع الجهر بالحق والصدع به فلا أقل من أن يمتنع عن الجهر بغير الحق، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [رواه البخاري] .
وأخيرا:
نرجو أن لا تجدوا في أنفسكم من هذا الكلام وتعتبروه خارجا عن آداب النصح وما تقتضيه من إسرار وعدم إشهار، فالأمر جلل خطير ومهم كبير لا يسوغ عنه السكوت، ولا يجوز عنه التغاضي.
وما ذكرناه معلوم لدى أهل العلم، وقد سبقنا إلى تنبيهكم عليه نخبة من علماء ودعاة الأمة، حيث تقدموا لكم بمناشدات عدة في هذا الصدد منها مناشداتهم إياكم قبل مدة بالامتناع عن الفتوى بجواز هذا السلام، الاستسلامي المزعوم مع اليهود، مبينين عدم استيفائه للشروط اللازمة شرعا، محذرين من المخاطر الجمة الدينية والدنيوية المترتبة عليه، ومن الموقعين على تلك المناشدة الشيوخ الأفاضل: عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، عبد الله بن حسن القعود، حمود بن عبد الله التويجري رحمه الله حمود بن عبدالله الشعيبي، عبد الرحمن بن ناصر البراك، سلمان العودة، إبراهيم بن صالح الخضري، عبد الوهاب الناصر الطريري، إبراهيم بن محمد الدبيان، عبد الله بن حمود التوجري، عبد الله الجلالي، عائض القرني، وغيرهم كثير - حفظهم الله جميعا - وستجدون نص مناشدتهم مع هذه الرسالة إن شاء الله.
وفي حرب اليمن الأخيرة، لما صدر الكلام المشار إليه سابقا، أصدر خمسة وعشرون عالما فتوى معارضة له مبينة الصواب الشرعي في المسألة، ومن هؤلاء العلماء الأفاضل: عبد الله سليمان المسعري، حمود بن عبدالله الشعيبي، عبد الله الجلالي، سلمان العودة، د. سفر الحوالي، د. ناصر العمر، يحيى بن عبد العزيز اليحيى، د. عبد الله بن حمود التويجري، وغيرهم كثير - حفظهم الله جميعا -
وفي الختام:
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ويحكم فيه بالعدل ويصدع فيه بالحق، وتعلو به راية الجهاد خفاقة، لتستعيد الأمة عزتها وكرامتها، وترفع راية التوحيد من جديد فوق كل أرض إسلامية سليبة، ابتداء بفلسطين ووصولا إلى الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام الضائعة بسبب خيانات الحكام، وتخاذل المسلمين.
كما نسأله تعالى أن يولي أمورنا خيارنا ويصرف عنا شرارنا، ونسأله السداد في القول والصواب في العمل والتوفيق لما يحبه ويرضاه في الحياة وحسن الختام عند الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
عنهم؛ أسامة بن محمد بن لادن
التاريخ: 27/ 7/1415 هـ.
الموافق: 29/ 12/1994م.
اهـ.
ملخص للفقرات الهامة الواردة في البيان السابق:
1)أن انتفاش الباطل في السعودية وسجن الدعاة مُرر على ظهر فتاوى ابن باز هذه الفتاوى التي تهوي بها الأمة سبعين خريفا في الضلال - على حد تعبيره -
2)إثبات كفر الحكومة السعودية بتحليل ما حرم الله مثال الربا.
3)كفر الملك بتعليق الصليب عن رضى واختيار وتسويغ ابن باز لتلك الفعلة وتجويزها.
4)إثبات أن دخول القوات الصليبية احتلال، وتسويغ ابن باز للحكومة ذلك، دون اعتبار لضوابط الأدلة.
5)إثبات دعم ابن باز بالفتوى وبأمر من الحكومة السعودية للشيوعيين في اليمن ضد المسلمين.
6)تسويغ ابن باز للحكومة اعتقال سفر وسلمان ومشايخ الصحوة وطلاب العلم والتنكيل والبطش بهم.
7)إثبات ابن لادن أن هذه الفتاوى المنحرفة، أمثلة على سبيل الذكر لا الحصر، وأن ملف ابن باز في هذا المجال السيئ أكبر من ذلك.
8)التركيز في البيان على رد فتوى ابن باز بتسويغ الصلح مع اليهود وعقد السلام معهم مطلقا، ثم الرد على هذه الفتوى الباطلة.