وأما الطعن في الصحابة:
فقد نقلت مجلة الحوادث عدد 120، وما قبله، نقولا كثيرة لا تحصى في الطعن في الصحابة، وقد وصل الأمر إلى اتهام الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، بانه مصاب الشذوذ الجنسي، وكل من يدافع عنه من علماء المسلمين مثله! كما نقلت شبكة الحوادث عن مجلة المنبر السبئية.
وسأنقل فيما يلي، نقولا من أهل العلم تبين، منزلة الصحابة رضي الله عنهم، وحكم من يطعن فيهم.
فضل الصحابة:
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من السابقين والتابعين لهم بإحسان. وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه؛ وذكرهم في آيات من كتابه.
مثل قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} .
وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} .
وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما) ، واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهما.
وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) .
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين.
وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر؛ ثم عثمان؛ ثم علي رضي الله عنهم. ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثير؛ ليس هذا موضعه.
وكذلك نؤمن؛"بالإمساك عما شجر بينهم"ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب وهم كانوا مجتهدين؛ إما مصيبين لهم أجران؛ أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم؛ وما كان لهم من السيئات - وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفرها لهم؛ إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة؛ أو غير ذلك.
فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم) ، وهذه خير أمة أخرجت للناس.
ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) .
وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق؛ وأن عليا رضي الله عنه أقرب إلى الحق.
أما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة؛ كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة وعلى ذلك أكثر أهل الحديث.
وكذلك"آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم"لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) .
وآل محمد هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل؛ وغيرهما من العلماء رحمهم الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) .
وقد قال الله تعالى في كتابه: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ، وحرم الله عليهم الصدقة لأنها أوساخ الناس.
وقد قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان؛ وبغضهما نفاق.
وفي المسانيد والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس - لما شكا إليه جفوة قوم لهم - قال: (والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي) .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل؛ واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل؛ واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش؛ واصطفاني من بني هاشم) .
انتهى كلام شيخ الاسلام ابن تيمية.
قلت: ومعلوم أن الطعن في الصحابة الكرام، هو اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بالفشل في رسالته، وأنه لم يقدر أن يؤسس له اتباعا مخلصين، فكان على زعم هؤلاء المنافقين الذين يطعنون في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين هم خاصة أتباعه الذين لايفارقونه حضرا ولا سفرا، وأصهاره، ووزراءه، كانوا لايؤمنون بما يقول، بل يضمرون النفاق والخيانة له طيلة وقت صحبتهم له.
ثم إنه بعد موته، خانوه في أعظم أمور الدين ويزعم هؤلاء الذين يطعنون في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن الامامة هي أعظم أمور الدين خانوه في هذا الامر العظيم، وبذلك يكون الصحابة رضي الله عنهم، قد أثبتوا للناس جميعا كما هو لازم قول هؤلاء أن النبي الذي اصطفاه الله على البشر أجمعين، كان مثالا لاكبر فشل في التاريخ، وكان دينه الذي فضله الله تعالى على كل الاديان، كان أسوأ الاديان حظا من التوفيق الالهي، فلم يحمله بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا الخونة، ولم ينشره في الارض إلا أهل النفاق والريب فيه، وأن القرآن الذي هو أعظم الكتب، صار بيد أشد الناس خيانة في التاريخ؟!
فتأمل ما الذي يؤدي إليه الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من الشناعات التي لايقرها شرع ولا عقل، والله ثم والله، لايطعن فيهم إلا حاقد على هذا الدين، ساع في إفساده وإبطاله.
والطعن في الصحابة نفاق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق, فمن أحب الأنصار أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) .
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم قد أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
والطعن في الصحابة عمومًا طعن في القرآن وتكذيب للآيات من سورة الحشر، فقد أثنى الله عز وجل علي المهاجرين من أصحاب نبيه بقوله: {للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} .
وأثنى الله تعالى عن الأنصار من أصحاب نبيه بقوله: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ، الدار والإيمان اسمان من أسماء هذه المدينة المباركة.
ثم وصف الله تعالى حال المؤمنين من بعدهم المؤمنون الذين لزموا الجماعة وتمسكوا بالسنة المؤمنون الذين أعظم ما في قلوبهم حب الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين والدعاء للصحابة والاستغفار لهم، قال تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم} [الحشر:10] .