الصفحة 8 من 10

اتفق العلماء على أن كل ما جاء في تحريم سب الصحابة من آيات قرآنية و أحاديث نبوية فإن ذلك يشمل أمهات المؤمنين بدلالة العموم، بل هن من أولى من يدخل في دلالة العموم، وذلك لما لهن من المنزلة العظيمة، حتى سماهن الله تعالى"أمهات المؤمنين".

وقد روى أبو محمد بن حزم الظاهري بإسناده إلى هشام بن عمار قال: سمعت مالك بن أنس يقول من سب أبا بكر و عمر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم يقتل في عائشة؟ قال: لأن الله تعالى يقول في عائشة رضي الله عنها {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين} ، قال مالك: فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل.

قال أبو محمد رحمه الله: (قول مالك هاذا صحيح وهي ردة تامة و تكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها) [المحلي: 13/ 504] .

وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر الطيب قال: (إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه، كقوله: {و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه} ، و ذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك} ، سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء، و هذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة، ومعنى هذا و الله أعلم أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سبًا لنبيه، و قرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل، كان مؤذي نبيه كذلك) [الشفاء للقاضي عياض 2/ 267] .

وقال أبو بكر بن العربي: (إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، و من كذب الله فهو كافر، فهذا طريق قول مالك، و هي سبيل لائحة لأهل البصائر ولو أن رجلًا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب) [أحكام القرآن 3/ 1356] .

قال أبو السائب القاضي: (كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الدعي بطبرستان، و كان بحضرته رجل فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله إن هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى {الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات، أولئك مبرءون مما يقولون، لهم مغفرة و رزق كريم} ، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه و أنا حاضر) .

وروي عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء، فقلا: هذا سمى جدي قرنان - أي من لا غيرة له - و من سمى جدي قرنان استحق القتل فقتلته.

وقال القاضي أبو يعلى: (من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكي الإجماع على هذا غير واحد، و صرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم) .

وقال أبي موسى - وهو عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن جعفر الشريف الهاشمي إمام الحنابلة ببغداد في عصره: (ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة) [الصارم المسلول لابن تيمية ص 566] .

وقال ابن قدامة المقدسي: (ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهم خديجة بن خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا و الآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم) [لمعة الاعتقاد ص 29] .

وقال الإمام النووي في صدد تعداده الفوائد التي اشتمل عليها حديث الإفك: (الحادية والأربعون: براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك و هي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين، قال ابن عباس و غيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، و هذا إكرام من الله تعالى لهم) [شرح النووي 18/ 117] .

وقد حكى العلامة ابن القيم اتفاق الأمة على كفر قاذف عائشة رضي الله عنها، حيث قال: (واتفقت الأمة على كفر قاذفها) [زاد المعاد لابن القيم 1/ 106] .

وقال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم} ، قال: (أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن) [تفسيره 5/ 76] .

وقال بدر الدين الزركشي: (من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها) [ص 45] .

وقال السيوطي عند آيات سورة النور التي نزلت في براءة عائشة رضي الله عنها من قوله تعالى {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم .. الآيات} ، قال: (نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن، قال العلماء: قذف عائشة كفر لأن الله سبح نفسه عند ذكره فقال سبحانك هذا بهتان عظيم، كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد) [الاكليل في استنباط التنزيل ص 190] .

وبهذا يعلم أن من يقذف عائشة رضي الله عنها أو يكفرها فهو كافر مكذب للقرآن، وكذا حكم من يقذف أي واحدة من أمهات المؤمنين.

وقد قال كثير من أهل العلم أن بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لهن حكم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أما عائشة فقد أجمعوا على كفر من رماها لانه تكذيب بالقرآن.

قال أبو محمد ابن حزم بعد أن ذكر أن رمي عائشة رضي الله عنها ردة تامة و تكذيب للرب جلا وعلا في قطعه ببراءتها، قال: (وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق، لأن الله تعالى يقول {و الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات، أولئك مبرؤون مما يقولون} ، فكلهن مبرآت من قول إفك والحمد لله رب العالمين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت