والعملية هنا تستوجب المذاكرة والاسترجاع، وبذل شئ من الاهتمام .. وليس مجرد التثقيف العام، الذي ينتابه النسيان، والنقصان.!!
فحامل المتون، مثل الذي شيد بيتًا على أساس متين، لا تهزه العواصف والتقلبات، والمثقف العام حتى ولو كن نَهِمًا، كالذي بنى بيتًا بدون أدنى اهتمام بأساسياته وقواعده الغائرة في الأرض .. سيهتز عند أسهل اختبار زاحف (فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ) .
أبدًا لا يستويان، ولذلك قد يتعب الحافظ ويهتم، بخلاف غيره، ولكنه يجني الكنوز والعجائب، كما قال الزمخشري:
أأبيتُ سهراَن الدهر وتبيته نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي
يكاد يتفق علماء الأمة وجهابذتها، أن هذه المتون مفاتيح إلى تفاصيل وعمق تلك العلوم المرضية، ولا يعني حيازتها حياز الكمال، أو الوقوف على أغوار المكنونات الفريدة، بل هي مداخل ومفاتيح ومقدمات، من وعاها، حملته على أخواتها المتسعات، وقريناتها المبسوطات، واستطاع من خلالها أن يفقه مفتاح كل فن، ويمهر ألفاظه ويدرك تفاصيله.
ولهذا هي مقدمة أساسية لإدراك معالم كل فنّ، أو ضبط مسائله العامة وفقه أصوله الكلية.
فمُلحة الأعراب مثلًا حافظها، يؤسس قاعدة نحوية لأصول الإعراب، ووعي المصطلحات العامة، وكذلك حافظ البيقونية يحدد معاني المصطلحات الحديثية في