الصفحة 12 من 16

"... وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى. وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود. والإقبال بكنة الهمة إلى الله تعالى. وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال والهرب من الشواغل والعوائق. ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من جميع الجوانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هار، وأني قد أشرفت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارق تلك الأحوال يومًا، وأحل العزم يومًا، وأقدم فيه رجلًا وأوخر عنه أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فتغيرها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد من الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذي العلائق فمتى تقطع؟ فبعد ذلك ينبعث العزم على الهرب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاولها فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي من التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي من منازعة الخصوم، ربما لا يتيسر لك المعاودة. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبًا من ستة أشهر، آخرها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى حد الاضطرار، إذ قفل الله علي لساني"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت