الصفحة 13 من 16

حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يومًا واحدًا تطبيقًا لقلوب المختلفين إلى، فكان لا ينطلق لساني بكلمة ولا أستطيعها البتة، ثم اورثت هذه العقلة في اللسان حزنًا في القلب، بطلت معه قوة الهضم، وقرب الطعام والشراب، فكان لا تستساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة، وتعدي ذلك إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج. وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إلى العلاج"."

هذا هو أعظم حادث، على وجه التحقيق، في حياة الإمام الغزالي، تحولت به نفسه وعقله وحياته من وضع إلى وضع. وهذه الصفحة من مذكراته تكشف عن طبيعته وكيف أخذت تنتقل حثيثًا من الفلسفة

إلى التصوف، إذ خلع"الغزالي"على أثر هذه"العقلة"رداءه الذي اتشح به أربعين سنة، وترك العلم، وهجر بغداد، وساح في الأرض حتى بلغ منارة مسجد دمشق، وبينها وبين الصخرة في بيت المقدس وضع أعظم آثاره، وأجل مؤلفاته:"إحياء علوم الدين"الذي كان بعيد الأثر في تاريخ الفكرة الإسلامية.

واستطاع الغزالي بكتابه"الإحياء"أن يفصل في القضية التي ظلت أكثر من ثلاثة قرون موضع الخلاف بين أنصار الفقه وأنصار التصوف.

هذه القضية التي وصل فيها الخلاف أشده وأقصاه، واتسعت فيها شقة الجدل، وبلغت المساجلات إلى أبعد حدود الهجاء والصراع.

كل من الفقهاء والمتصوفة يرى نفسه على الحق، وقف الفقهاء ينقضون آراء الصوفية ويرونها زيفًا في الدين، وقال الصوفية أن الفقهاء لا يؤمنون إلا بظاهر الشرع.

ثم جاء الغزالي فحسم المسألة، وفصل في القضية، وقضى بأن الفقه والتصوف ليسا شقين للإسلام، وأنهما لا سصطدمان ولا يختلفان، وكان كتاب"الأحياء"صورة واضحة لهذا الفهم الجديد.

مفتاح حياة الإمام الغزالي هو البحث عن"الحقيقة". وقد كلفه هذا مشقة وأهوالًا كبارًا، فقد قضى زهرة عمره باحثًا منقبًا، مسافرًا متنقلًا، حتى وصل أخيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت