الصفحة 14 من 16

حاول الوصول إلى"الحقيقة"عن طريق العقل والمنطق والفلسفة. ثم حاول ذلك عن طريق العلم والتصوف والروحية، وظل بين موجات الشك العاصفة، ولمعات اليقين الصادقة، خلال فترة شبابه الحاد القوي.

وكان في قلب بغداد وفي صدر المدرسة النظامية، يتألق كعالم، ولكنه كان في صميم نفسه يقاسي موجة عاصفة من الشك، وكان المنطق والعلم يضيقان بما يريد من فهم"كنه"الحياة.

وإذا به فجأة، وعلى غير انتظار، ينقطع عن الدرس، وينعقد لسانه عن الكلام وينصرف عن الطعام، ويدخل في مرحلة عجيبة من الغيبوبة والتهويم.

ولم يجد مخرجًا من هذا الحرج إلا أن يذهب إلى الحجاز، ويترك التدريس، ويدخل الخلوة، ويعكف على الرياضة الروحية.

وكانت هذه"الأزمة"، ولاشك، قمة حياته العلمية التي أوشكت على الانتهاء، ليبدأ حياة تقوم على الوجدان والروحية والتصوف.

ثم ترك الحجاز إلى دمشق، واعتكف في منارة الجامع الأموي، ولبس الثياب الخشنة، وزهد في الطعام والشراب، فلم يكن يأخذ منهما إلا القليل الذي يتبلغ به.

وانتقل إلى دمشق إلى بين المقدس واعتكف في المنارة الغربية من المسجد الأقصى، وقضى بها وقتًا طويلًا كتب فيه أصول كتابه الضخم"إحياء علوم الدين".

ثم رحل إلى الإسكندرية، فأمضى بها فترة من الزمان، وفي هذه الرحلة الطويلة تبلورت نفس الغزالي وتفتحت لفهم الحقيقة. وانتهت الأزمة النفسية الضخمة التي ألمت بهذه الشخصية الكبرى.

ويبدو الإمام الغزالي خلال هذه الأزمة بصورة الرجل الذي يستهدف الوضوح، ويتجه إلى النور، والذي يصر على أن يصل إلى ما يريد دون أن يعبأ أو يضيق بما يكلفه ذلك من أهوال.

وفي سبيل الغاية التي وطن عليها نفسه هاجر وانتقل وطوف، وقضى أكثر من عشر سنوات في ذلك الطواف.

خرج وهو قمة الشك والاضطراب وانعقاد اللسان، وعاد وقد انجابت عنه الأزمة، وتفتح له طريق اليقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت