الصفحة 3 من 18

هم العامة و العامة هم الحنابلة. فكان عليه أن يميز بين هؤلاء، لأن الحنابلة جزء من العامة، و العامة ليسوا كلهم من الحنابلة.

لكن الغريب في الأمر أن ابن الجوزي ذكر أن أبا بكر بن أبي داود الحنبلي (ت 316 هجرية) اتهم الطبري بأمور رفعها إلى نصر الحاجب، فطلب الحاجب من الطبري أن يرد عليها، فكان مما كتبه الطبري- ردا على ذلك- أنه قال: (( لا عصابة في الإسلام كهذه العصابة الخسيسة ) )، فعلّق عليه ابن الجوزي بقوله: (( وهذا قبيح منه، لأنه كان ينبغي أن يخاصم من خاصمه، وأما أن يذم طائفته جميعًا وهو يدري إلى من ينتسب فغاية في القبح ) ) [1] . و كلامه هذا صحيح، فإنه انتقد الطبري عندما عمم حكمه على الحنابلة. و هذا التعميم وقع فيه ابن الجوزي نفسه، و ذلك أنه عندما تطرق إلى سبب الخلاف بين الطبري و خصومه، ذكر أن خلافه كان مع الحنابلة، و قد عبّر عن ذلك بقوله: (( وفي ذي القعدة: أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري دار علي بن عيسى لمناظرة الحنابلة، فحضر ولم يحضروا، فعاد إلى منزله، وكانوا قد نقموا عيه أشياء ) ) [2] . فكان عليه أن يقول: لمناظرة خصومه من الحنابلة، أو لمناظرة الحنابلة الناقمين عليه. و ليس لمناظرة الحنابلة، من دون تحديد و لا تمييز.

و منهم أيضا المؤرخ أبو الفدا عماد الدين إسماعيل (ت 732 هجرية) ، فقد ذكر أن العامة تعصبت على ابن جرير الطبري، منهم الحنابلة من دون تخصيص [3] .

و آخرهم المؤرخ الحافظ ابن كثير (ت 774 هجرية) ، إنه ذكر أن ابن جرير الطبري (( دُفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة و رعاعهم منعوا من دفنه نهارا، و نسبوه إلى الرفض، و من الجهلة من رماه بالإلحاد، و حاشاه من ذلك كله ) ) [4] .

و بذلك يتبين أن موقف ابن الأثير -من دور الحنابلة فيما حدث للطبري مع خصومه- هو الموقف الصحيح، و قد وافقه عليه الحافظ ابن كثير.

و أما الشاهد الثاني فيتعلق بفتنة الواعظ أبي نصر بن القشيري الشافعي الأشعري في بغداد سنة 469 هجرية. فذكر ابن الأثير أن ابن القشيري لما دخل بغداد جلس في المدرسة النظامية، و في غيرها يعظ الناس، فجرت له (( مع الحنابلة فتن لأنه تكلم على مذهب الأشعري، ونصره، وكثر أتباعه والمتعصبون له، وقصد خصومه من الحنابلة، ومن تبعهم، سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة. وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق- الشيرازي شيخ الشافعية-، و شيخ الشيوخ-أبو سعد الصوفي-، وغيرهما من الأعيان، وجرت بين الطائفتين أمور عظيمة ) ). و ذكر في موضع آخر من تاريخه أن ابن القشيري نصر مذهب الأشعري و عاب عيره من المذاهب [5] .

و موقفه هذا مُنصف عادل، فلم ينحاز إلى ابن القشيري الشافعي الأشعري، مع أنه على مذهبه. فذكر صراحة أن هذا الرجل هو البادئ بالاعتداء، إنه دخل بلدا غير بلده، و نصر فيه مذهبه على حساب مذهب الحنابلة و أهل الحديث، و هاجمهم و ذمهم علانية.

و موقف ابن الأثير هو خلاف ما ذهب إليه بعض أعيان الشافعية الأشاعرة الذين دافعوا عن ابن القشيري، و انتصروا له، و برروا فعله و استحسنوه، و لم يُحملوه

(1) نفس المصدر، ج 6 ص: 159.

(2) نفسه، ج 6 ص: 159.

(3) أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، د ت، مج 1، ج 3 ص: 90.

(4) ابن كثير: البداية و النهاية، ج 11، ص: 167.

(5) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 8، ص: 413، 417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت