بسم الله الرحمن الرحيم
اتخذ المؤرخ عز الدين ابن الأثير الجزري الشافعي (ت 630 هجرية) مواقف متباينة من الحنابلة، نجدها مبثوثة في ثنايا كتابه الكامل في التاريخ، نذكرها في ثلاثة مواقف مركزة. فما تفاصيلها؟، و وما مدى تأثر ابن الأثير بخلفيته المذهبية الشافعية الأشعرية في تبنيه لتلك المواقف؟، و هل كان محايدا و مصيبا فيما ذهب إليه؟.
أولا: موقف الإنصاف و عدم المبالغة:
اتخذ ابن الأثير موقفا منصفا بلا مبالغة، من حوادث تتعلق بالحنابلة ذكرها في تاريخه، نذكر منها ثلاثة شواهد: أولها يتعلق بالخلاف الذي حدث في بغداد بين الحنابلة و أتباعهم من العامة، و بين المؤرخ المفسر ابن جرير الطبري (ت 310 هجرية) . و الخبر كما رواه ابن الأثير هو: (( و إنّما بعض الحنابلة تعصّبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم، ولذلك سبَب، وهو أنّ الطبريّ جمع كتابًا ذكر فيه اختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حَنبَل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهًا، وإنّما كان محدّثًا، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه، وقالوا ما أرادوا:
حَسدوا الفَتى إذ لم ينالوا سَعيّه ... فالناسُ أعداءٌ له وخُصومُ
كضرائرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها ... حسَدًا وبَغيًا إنّه لَدَمِيمُ )) [1]
و موضع الانصاف هنا هو أن ابن الأثير لم يُحمل كل الحنابلة مسئولية ما حدث، و إنما أشار إلى ان بعض الحنابلة و العامة هم الذين تعصبوا على الطبري، و ثاروا عليه. و هذا خلاف ما ذهب إليه بعض أهل العلم في موقفهم مما حدث بين الطبري و خصومه.
فالمؤرخ أبو علي بن مسكويه (ت 421 هجرية) -فيما نقله عنه ابن الأثير- ذكر أن العامة تألبت على الطبري، و اتهمته بالرفض، و منعت من دفنه نهارا. فعلّق عليه ابن الأثير بكلامه الذي نقلناه سابقا [2] .
و الإمام ابن خزيمة (ت 311 هجرية) رُوي عنه أنه قال عن الطبري: (( لقد ظلمته الحنابلة ) ) [3] . و قوله هذا شاهد على أنه يشمل الحنابلة كلهم، و حملهم مسئولية ما حدث للطبري من دون تخصيص ذلك بجماعة منهم.
و أما المؤرخ ابن الجوزي (ت 597 هجرية) ، فقد ذكر أن خلاف الطبري كان مع الحنابلة، و أن العامة اجتمعت و منعت من دفنه نهارا، و اتهموه بالرفض [4] . فابن الجوزي لم يُميز بين الحنابلة و العامة، فمرة ذكر أن خلاف الطبري كان مع الحنابلة، و مرة أخرى ذكر أن العامة منعت من دفن الطبري ليلا، و كأن الحنابلة
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ط 2، حققه عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995،ج 7، ص: 8، 9.
(2) نفسه، ج 7، ص: 8، 9.
(3) الذهبي: تذكرة الحفاظ، د ن، بيروت، دت ج 2 ص: 712. و ابن كثير: البداية، مكتبة المعارف - بيروت، د ت، ج 11 ص: 166. و ابن حجر: لسان الميزان، ط 2، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، 1406 - 1986 ج 5 ص: 102.
(4) ابن الجوزي: المنتظم، ط 1 دار صادر - بيروت، 1358، ج 6 ص: 159، 172.