مسئولية ما حدث من قتل و اضطراب و تخريب في بغداد. نذكر منهم: أبو إسحاق الشيرازي، و الحسين بن محمد الطبري، و عبد الله بن سلامة الكري، و محمد بن أحمد الشاشي، و هؤلاء و غيرهم هم الذين أرسلوا إلى الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485 هجرية) خطابا أخبروه فيه بما حدث في فتنة ابن القشيري من وجهة نظر أشعرية. فكان مما قالوه له: إن ابن القشيري دخل بغداد فدعا (( الناس إلى التوحيد و قدّس الباري عن الحوادث والتحديد فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الفاضل السادة الأماثل وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها ) ). و الذين انكروا عليه ذلك هم (( جماعة من الحشوية و الأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلا عن موحد ) ) [1] .
و موقفهم هذا مخالف لموقف ابن الأثير من فتنة ابن القشيري، علما بأن موقفه وافقه عليه مؤرخون آخرون، فنصوا على أن ابن القشيري هو البادئ بالاعتداء، منهم: أبو الحسين ابن أبي يعلى، و ابن الجوزي، و الذهبي، و ابن كثير، و ابن رجب البغدادي، و ابن خلدون، و السيوطي [2] .
و لشيخ الإسلام ابن تيمية رأي في ذلك، مفاده أن أكثر الحق كان مع جماعة الفرائية الحنبلية، مع قليل من الباطل، و كثيرا من الباطل مع أصحاب القشيري، مع بعض الحق [3] . و رأيه هذا لا يخالف ما قلناه من أن ابن القشيري هو المعتدي الأول، و البادئ بالظلم، و المُثير للفتنة، و هو الأمر الذي نصّ عليه ابن الأثير و من وافقه على ما قاله.
و أما الشاهد الأخير -و هو الثالث- فيتعلق بفتنة البكري في بغداد سنة 475 هجرية. و ذلك أن ابن الأثير ذكر أن الواعظ أبا القاسم البكري المغربي الأشعري (ت 476 هجرية) اتصل بالوزير السلجوقي نظام الملك، فأحبه و قرّبه منه، ثم سيّره إلى بغداد، و أجرى عليه الجراية الوافرة. فلما دخلها عقد فيها مجالس واعظ، فكان (( يذكر الحنابلة و يعيبهم، ويقول:"وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا"-سورة البقرة/102 - ، والله ما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا. ثم إنه قصد يومًا دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني بنهر القلائين، فجرى بين بعض أصحابه وبين قوم من الحنابلة مشاجرة أدت إلى الفتنة، وكثر جمعه، فكَبَس دور بني الفراء، وأخذ كتبهم، وأخذ منها كتاب الصفات لأبي يعلى، فكان يُقرأ بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ، فيشنع به عليهم، وجرى له معهم خصومات وفتن ) ) [4] .
و اضح من كلامه أن الواعظ البكري- المدعوم من السلطة- هو السبب في حدوث تلك الفتنة، بما قام به من تحرشات و اعتداءات على الحنابلة. فهو رجل غريب دخل بلدا غير بلده، ثم شرع في مهاجمة طائفة من أهل بغداد، فذمهم، و كفرهم، و فعله هذا ذكره ابن الأثير صراحة. مما يدل على أنه -أي ابن الأثير- اتخذ موقفا منصفا يُحسب له، و قد تبناه مؤرخون آخرون، كابن الجوزي، و الذهبي، و ابن العماد الحنبلي [5] .
(1) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1404، ص: 310 و ما بعدها.
(2) أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، حققه محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1962،ج 2 ص:239. و ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 305. و الذهبي: سير أعلام النبلاء، حققه شعيب الأرناؤوط، و آخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982، ج 19، ص: 425. و ابن كثير: البداية و النهاية، ج 12 ص: 115. و ابن خلدون: كتاب العبر، دار الكتاب العربي، بيروت، 1957، مج 3 القسم 5، ص: 980. و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط 1، مطبعة السعادة - مصر، 1371 هـ - 1952 م ص: 442.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، جمع و ترتيب ابن قالسم، مكتبة المعارف، الرباط، د ت، ج 6 ص: 54.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 8 ص: 428.
(5) ابن الجوزي: المصدر السابق، ج 9 ص: 3 - 4. و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، حققه محمود الأرناؤوط، ط 1، دار ابن كثير، بيروت، 1989، ج 5 ص: 329، 330.