و آخرها- الشاهد الرابع- مفاده أن تاج الدين السبكي الشافعي أشار إلى تلك الفتنة- التي رواها ابن الأثير- بمدينة مرو، و ذكر أنها حدثت بين الحنفية و الشافعية، و أن الحنفية هم الذين تعصبوا على الشافعية عندما بنوا جامعا لهم مُشرفا على جامع الحنفية، فحدثت فتنة بينهم كادت بها (( الجماجم تطير عن الغلاصم ) )،و لم يذكر الحنابلة أصلا [1] .
و ختاما لهذا البحث، يتبين أن المؤرخ ابن الأثير لم يكن حياديا مُنصفا في كل مواقفه من الحنابلة، التي وردت في تاريخه، فمنها مواقف سكت فيها عن أعمالهم، و اكتفى بدكرها دون أي تعليق. و منها مواقف أنصفهم فيها، و ذكر حقيقة ما حدث بينهم و بين خصومهم. و منها مواقف كثيرة انتقدهم فيها، و تحامل عليهم فيها، فجانب الصواب في تبنيه لها، بسبب خلفيته المذهبية الأشعرية، فوصفهم بالتعصب و اعتقاد التشبيه و التجسيم في صفات الله تعالى. فساهم بذلك في الترويج لمقولة: إن الحنابلة متعصبون مجسمون، مُثيرون للفتن، و معتدون على الطوائف السنية الأخرى. و هذه المقولة مُلاحظ أنها كثيرة الانتشار بين أهل العلم، و قد تلقوها عن ابن الأثير من خلال ما دوّنه عن الحنابلة في تاريخه. مع أن الحقيقة خلاف ذلك، و لا يصح من تلك المقولة إلا القليل، فلم يكن الحنابلة مُجسمة و لا مُشبهة، و الفتن التي رُوي أنهم أثاروها، شاركتهم في إثارتها طوائف أخرى، كانت هي أيضا أكثر منهم تعصبا و اعتداء، و اثارة للفتن على امتداد التاريخ الإسلامي [2] ... .
تم و لله الحمد
(1) تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، حققه محمود الطناجي، و محمد الحلو، ط 2، هجر للطباعة و النشر، الجيزة، 1992، ج 7 ص: 296.
(2) انظر مثلا: خالد كبير علال: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، ص: 21 و ما بعدها، و 171 و ما بعدها.
أولا المصادر:
1 -ابن أبي يعلى أبو الحسين: طبقات الحنابلة، حققه محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1962.
2 -ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ط 2، حققه عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995.
3 -ابن تيمية: مجموع الفتاوى، جمع و ترتيب ابن قالسم، مكتبة المعارف، الرباط، د ت.
4 -ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، ط 1، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، 1406.
5 -ابن الجوزي: المنتظم، ط 1 دار صادر - بيروت، 135.
6 -ابن حجر: لسان الميزان، ط 2، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، 1406 - 1986.
7 -ابن حنبل أحمد: المسند، مؤسسة قرطبة، القاهرة، د ت.
8 -ابن خزيمة: كتاب التوحيد، 1978، دار الكتب العلمية، بيروت.
9 -ابن خلدون: كتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر، دار الكتاب العربي، بيروت، 1957.
10 -ابن رجب البغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، حققه سامي الدهان، و هنري لاوست، المعهد الفرنسي، دمشق، 1951.
11 -ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، حققه محمود الأرناؤوط، ط 1، دار ابن كثير، بيروت، 1989.
12 -ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ط 3، دار الكتاب العربي، بيروت، 1404.
13 -ابن كثير: البداية و النهاية، مكتبة المعارف - بيروت، د ت.
14 -ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ط 1، دار الأندلس، بيروت، 1966.
15 -ابن مسكويه: تجارب الأمم، حققه آمدروز، د ن، القاهرة، 1914.
16 -أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، د ت.
17 -البخاري: الجامع الصحيح، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، 1407 - 1987.
18 -بدر الدين الحنبلي: مختصر فتاوى ابن تيمية، حققه عبد المجيد سليم، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت.
19 -تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، حققه محمود الطناجي، و محمد الحلو، ط 2، هجر للطباعة و النشر، الجيزة، 1992.
20 -الذهبي شمس الدين: تذكرة الحفاظ، د ن، بيروت، دت.
21 -الذهبي شمس الدين: سير أعلام النبلاء، حققه شعيب الأرناؤوط، و آخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982.
22 -السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط 1، مطبعة السعادة - مصر، 1371 هـ - 1952
23 -الصفدي صلاح الدين: الوافي بالوفيات، حققه س. د. رينغ، المطبعة الهاشمية، دمشق، 1959.
-24 القفطي جمال الدين: أخبار العلماء بأخبار الحكماء، دن، دم ن، د ت
ثانيا المراجع:
25 -الألباني ناصر الدين: سلسلة الأحاديث الضعيفة، مكتبة المعارف، الرياض د ت.
26 -خالد كبير علال: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، ط 1، دار الإمام مالك، الجزائر، 2005.