الصفحة 17 من 18

في بغداد، فقال عنها ابن الجوزي (( كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث وكان يأخذ الشيخ فيقعده في الرقة وهي البستان الذي على شاطئ دجلة فيقرأ عليه و يقول في مجموعاته: حدثني فلان وفلان بالرقة ويوهم الناس أنها البلدة التي بناحية الشام ليظنوا أنه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث. وكان يقعد الشيخ بين نهر عيسى والفرات، و يقول: حدثني فلان من وراء النهر، يوهم أنه قد عبر خراسان في طلب الحديث وكان يقول: حدثني فلان في رحلتي الثانية والثالثة ليعلم الناس قدر تعبه في طلب الحديث، فما بورك له ومات في زمان الطلب ) ) [1] .

و أما الشاهد الأخير- الخامس من موقف التعليل و الاتهام- فيتعلق بفتنة حدثت بمدينة مرو من بلاد خُراسان، رواها ابن الأثير في تاريخه، و مفادها أن الوزير الخوارزمي نظام الملك مسعود بن علي الشافعي (ت 596 هجرية) بنى للشافعية جامعا بمرو (( مشرفًا على جامع الحنفية، فتعصب شيخ الإسلام وهو مقدم الحنابلة بها، قديم الرياسة، وجمع الأوباش، فأحرقه. فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممن سعى في ذلك، فأغرمهم مالًا كثيرًا ) ) [2] .

واضح من هذه الحادثة أن الحنابلة كانوا متعصبين مثيرين للفتن و القلاقل، فهل هذا صحيح؟، إن دورهم في هذه الفتنة لم يثبت، بل و لا يصح، و إنما ابن الأثير وَهَم فيما رواه، فلعله سهى، أو أخطأ فيما حكاه، و الشواهد الآتية تثبت ما ذهبت ُإليه:

أولها إن الخبر -الذي رواه ابن الأثير- نفسه شاهد على وجود خلل فيه، و ذلك أنه نصّ على أن جامع الشافعية الجديد كان مُشرفا على جامع للحنفية، ثم يقول مباشرة (( إن مقدم الحنابلة تعصب، و جمع الأوباش و أحرقه ) )، فما دخل الحنابلة هنا، و الجامع ليس جامعهم؟. فالمفروض أن الحنفية هم الذين يتحركون لمواجهة الأمر لأن الجامع لهم، و ليس الحنابلة.

و الثاني- أي الشاهد- أنه لم يكن للحنابلة أي وجود جماعي بمدينة مرو في النصف الثاني من القرن السادس الهجري , بدليل أننا لا نجد لهؤلاء الحنابلة ذكرا في طبقات الحنابلة، و لا في كتب التراجم و التواريخ [3] .

و الشاهد الثالث مفاده أن المؤرخ ابن كثير - روى ما قاله ابن الأثير- أشار إلى أن السلطان علاء الدين خُوارزم شاه الحنفي (ت 596 هجرية) أغرم الذين أحرقوا الجامع أموالا مقدار ما صُرف في بنائه [4] . و هذه عقوبة خفيفة لا تتناسب مع الجرم الذي أرتكبه الذين أحرقوا جامع الشافعية، و المفروض أن عقوبتهم تكون أكبر من ذلك، لتكون عقوبة شديدة و رادعة لهم ولغيرهم، و تتناسب مع الجرم الذي فعلوه. لكن ذلك لم يحدث، فلماذا؟، يبدو أن السبب في ذلك هو تعاطف السلطان معهم، فخفف عنهم العقوبة، لأنهم كانوا على المذهب الحنفي مثله. فلو كانوا على غير مذهبه فأغلب الظن أنه لا يتسامح معهم، و سيعاقبهم أكير مما عاقب به هؤلاء الحنفية الذين أحرقوا جامع الشافعية.

(1) نفس المصدر، ص: 142.

(2) الكامل في التاريخ، ج 10 ص: 267.

(3) لقد تأكدت من ذلك بنفسي، من خلال مراجعة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، و الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب، و سير أعلام النبلاء للذهبي، و المنتظم لابن الجوزي، و شذرات الذهب لابن العاماد الحنبلي.، و غيرها من التواريخ.

(4) البداية و النهاية، ج 13 ص: 23،28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت