الصفحة 16 من 18

بانتقاد مختلف طوائف أهل العلم، و هذا الذي فعله ابن الجوزي في كتابه هذا. و كان يُؤيد انتقاداته بالأدلة و الشواهد الكثيرة و المتنوعة، و هذا أمر ثابت لا يحتاج إلى توثيق، فالكتاب مملوء بذلك من بدايته إلى نهايته.

و ثانيا ليس صحيحا أن ابن الجوزي-في كتابه تلبيس إبليس- لم يُبق على أحد من سادة المسلمين و صالحيهم. فمع أنه خصصه لانتقاد العلم و أهله، فإنه كثيرا ما أثنى على من يستحق الثناء من أهل العلم و الدين، و نوّه بمواقفهم و فضائلهم. فمن ذلك أنه أثنى على السلف الذين جمعوا بين معرفة المهم من الدين و الفقه فيه، و طلب الحديث النبوي، كيحيى بن معين، و ابن المديني، و البخاري، و مسلم [1] .

و مدح أيضا الفقهاء المتقدمين الذين جمعوا بين العلم بالقرآن و السنة النبوية، و هذا خلاف المتأخرين الذين لم يجمعوا بين ذلك. و أثنى على كبار أعيان السلف المتصفين بالتواضع، و عدم الافتخار بالعلم، كإبراهيم النخعي، و مالك بن أنس، و أحمد بن حنبل [2] .

و فعل مثل ذلك حتى مع الصوفية، الذين أكثر من انتقادهم، و أفرد قسما كبيرا من كتابه لانتقادهم. فمن ذلك أنى أثنى على كبار أعيان الصوفية الذين حثوا على التمسك بالكتاب و السنة، و نوّه بموقفهم هذا، كأبي القاسم الجنيد (ت 298 هجرية) ، و أبي يزيد البسطامي (ت 261 هجرية) ،و أبي الحسن النوري (ت 295 هجرية) . ثم قال ابن الجوزي: (( و إذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم و وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم، فإن كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم إذ لا محاباة في الحق، و إن لم يصح عنهم حذرنا من مثل هذا القول وذلك المذهب من أي شخص صدر ) ) [3] .

و كتابه تلبيس إبليس شاهد أيضا على أن ابن الجوزي لم يخص المتقدمين بالمدح و الثناء دون غيرهم، فقد مدح أيضا بعض اعيان عصره، عندما قال: (( فقد رأيتُ الفضلاء من علماء الأمصار، فإنهم ما سلكوا هذه الطريقة، و إنما تشاغلوا بالعلم أولا ) )، و لم يسلكوا الطريق الذي دعا إليه أبو حامد الغزالي في التعبد على طريقة الصوفية [4] .

و أما انتقاد ابن الأثير لابن الجوزي في موقفه من الحافظ أبي سعد السمعاني، فهو انتقاد صحيح و في محله، لأن السمعاني لم يكن في حاجة إلى ذلك التدليس، لأنه سافر فعلا إلى بلاد ما وراء النهر. لكن من جهة أخرى يصعب تكذيب ابن الجوزي فيما رواه عنه، فهل يسمح لنفسه أن يتعمد الكذب عليه، و يذكر الخبر بصيغة التأكيد لا التمريض؟ و إذا افترضنا أنه تعمد الكذب عليه، أليس في إمكان أهل بغداد كشفه و فضحه؟ و ألم يستحي و يخاف من افتضاح أمره في تعمده الكذب عليه؟ و ألم يخف الله تعالى في تعمده للكذب على السمعاني؟، كلّ هذا يجعلني أرجح صحة الخبر عن بطلانه. وما جاء عن السمعاني فهو ربما فعله مع بعض أهل العلم من باب التمثيل و الحكاية و التنكيت؛ ولم يكن هدفه التمويه و التدليس، لأن ما فعله ليس تدليسا في حقه لأنه رحل فعلا إلى بلاد ما وراء النهر. فجاء ابن الجوزي و حمل تصرفه على الحقيقة. فلعله أخطأ، أو نسي، أو اختلط عليه الأمر، لأن ما رواه أن السمعاني فعله كان ظاهرة منتشرة بين أهل الحديث

(1) ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص: 140.

(2) نفس المصدر، 140، 145.

(3) نفس المصدر، ص: 209.

(4) نفس المصدر، ص: 393.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت