مذهب المؤولين الآخرين، و إنما انتصر لمذهب الحنابلة و أهل الحديث، و لزم السنة المحضة في آخر أمره [1] .
و أما الشاهد الرابع-الخاص بالتعليل و الاتهام و التحامل- فيتعلق بالحافظ المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 هجرية) ، و مفاده أن المؤرخ ابن الأثير انتقد ابن الجوزي، و وصفه بأنه كان كثير الوقيعة في الناس، و لاسيما العلماء من المخالفين لمذهبه و الموافقين. و ذكر أيضا أن ابن الجوزي ألف كتابا سماه: تلبيس إبليس، لم (( يُبق فيه على أحد من سادة المسلمين و صالحيهم ) ) [2] .
و انتقده أيضا عندما ترجم لأبي سعد السمعاني المروزي الشافعي (ت 563 هجرية) ، في كتابه المنتظم، فذكر عن ابن الجوزي أنه قال عن السمعاني: (( فمن جملة قوله فيه أنه كان يأخذ الشيخ ببغداد ويعبر به إلى فوق نهر عيسى فيقول: حدثني فلان بما وراء النهر. وهذا بارد جدًا فإن الرجل سافر إلى ما وراء النهر حقًا، وسمع في عامة بلاده من عامة شيوخه، فأي حاجة به إلى هذا التلبيس البارد؟ وإنما ذنبه عند ابن الجوزي أنه شافعي، وله أسوة بغيره، فإن ابن الجوزي لم يبق على أحد إلا مكسري الحنابلة ) ) [3] .
واضح من كلامه أنه يتهم ابن الجوزي بالتعصب، و التدليس، و التحامل على أهل العلم، و الوقيعة فيهم. فهل كل ما قاله صحيح؟، إن كلامه في ابن الجوزي مُبالغ فيه جدا، و فيه حق و باطل أيضا، لأنه أولا تناقض مع نفسه عندما ذكر أن ابن الجوزي كان كثير الوقوع في الناس، لاسيما العلماء من الموافقين لمذهبه و المخالفين له، و أنه لم يُبق على أحد من سادة المسلمين و صالحيهم، ثم عاد و قال: إنه لم يُبق على أحد إلا مكسري الحنابلة، فهذا تناقض واضح.
و ابن الأثير قد أصاب عندما ذكر أن ابن الجوزي قد وقع في كثير من الناس، فهو حقا قد انتقد كثيرا منهم في بعض كتبه، كالمنتظم، و تلبيس إبليس، و صيد الخاطر، لكنه من جهة أخرى كان كثير الثناء على الأعيان، و أهل العلم من الحنابلة، و الشافعية، و المالكية، و الحنفية، و هم كثيرون جدا، و قد أحصيت منهم العشرات من غير الحنابلة، كمطرف بن الحسين (ت 379 هجرية) ، و إسماعيل بن أحمد الحريري (ت 431 هجرية) ، و عبد الرحمن بن أحمد النويري الشافعي (ت 496 هجرية) ، و غير هؤلاء كثير جدا [4] .
و كما أن ابن الجوزي انتقد العلماء من غير الحنابلة، فهو أيضا انتقد علماء من الحنابلة، و هذا قد أشار إليه ابن الأثير نفسه، عندما ذكر أنه في سنة 583 هجرية تُوفي عبد المغيث بن زهير البغدادي، و كان من أعيان الحنابلة، و قد صنف كتابا في فضائل يزيد بن معاوية، أتى فيه بالعجائب، و قد رد عليه ابن الجوزي، و كانت بينهما عداوة [5] . و من الحنابلة الذين انتقدهم أيضا: الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي (ت 561 هجرية) ،و المتكلم صدقة بن الحسين البغدادي (ت 573 هجرية) [6] .
و أما انتقاد ابن الأثير لابن الجوزي فيما ذكره في كتابه تلبيس إبليس، فالأمر يحتاج إلى بيان و تفصيل، و ذلك لأنه أولا إن ابن الجوزي أفرد كتابه هدا لانتقاد العلم و العلماء، و عنوانه شاهد على ذلك. فمن الطبيعي جدا أن يأتي كتابه مملوءا
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 164. و خالد كبير علال: الأزمة العقيدية، ص: 151.
(2) ابن الأثير: الكامل، ج 9 ص: 260، ج 10 ص: 276.
(3) نفس المصدر، ج 10 ص: 9.
(4) أنظر مثلا: المنتظم، ج 2 ص: 449، ج 3 ص: 16، 17، 45، 322، 428، 469، 476، ص: ج 4 ص: 67، 173، 264، 382، ج 5 ص: 45، 76.
(5) الكامل، ج 10 ص: 165.
(6) ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 277. و ابن رجب البغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 172.