و بفعلها- قد تخلص من انبهاره بالفكر المعتزلي، فتبين له تهافته، و أنه كان مُخطئا فيما ذهب إليه، و أن الصواب ما عليه أصحابه و أهل الحديث، فوضع حدا لمحنته التي دامت خمس سنوات، و رجع إلى طائفته. و كل هذه التعليلات و الاحتمالات ممكنة نظريا، لكنها تحتاج إلى شواهد تاريخية تثبتها كلها، أو بعضها، و ابن الأثير ذكر تعليله دون أن يُقدم شاهدا صحيحا و لا ضعيفا لتدعيم رأيه.
لذا فإن تعليل ابن الأثير ضعيف، بل و لا يصح، لأنه مخالف لما ذكره ابن عقيل سببا في توبته من جهة، و القول بخلافه هو تكذيب لما ذكره الرجل عن نفسه من جهة ثانية، و طعن فيه بأنه أظهر خلاف ما يُخفيه عن حقيقته من جهة ثالثة. و بما أن الاعتراف هو سيد الأدلة، فإن ابن عقيل ذكر صراحة سبب توبته في النص الذي كتبه في سبب توبته و رجوعه إلى أصحابه، و هذا نصه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، يقول على بن عقيل بن محمد: إني ابرأ الى الله تعالى من مذاهب المبتدعة والاعتزال وغيره و من صحبه أربابه وتعظيم أصحابه والترحم على أسلافهم، وما كنت علقته و وجد خطى به من مذاهبهم وضلالاتهم، فأنا تائب الى الله تعالى من كتابته وأنه لا تحل كتابته و لا قراءته ولا اعتقاده، وأني علقت مسألة الليل في جملة ذلك، و أن قوما قالوا هو أجسام سود، و قلت الصحيح ما سمعت من الشيخ أبي علي، و أنه قال هو عدم و لا يسمى جسما و لا شيئا أصلا، و اعتقدت في الحلاج أنه من أهل الدين، والزهد، والكرامات، ونصرت ذلك في جزء عملته و أنا نائب الى الله تعالى منه، و أنه قتل بإجماع فقهاء عصره، و أصابوا في ذلك و أخطأ هو، و مع ذلك فاني أستغفر الله تعالى وأتوب اليه من مخالطة المبتدعة والمعتزلة وغيرهم، و مكاثرتهم، و الترحم عليهم، و التعظيم لهم، فإن ذلك كله حرام، و لا يحل لمسلم فعله لقول النبي صلى الله عليه وسلم - من عظم صاحب بدعة فقد اعان على هدم الاسلام [1] - وقد كان الشريف أبو جعفر ومن معه من الشيوخ والإتباع ساداتي و إخواني حرسهم الله مصيبين في الانكار عليّ لما شاهدوه بخطى في الكتب التي أبرأ الى الله تعالى منها، و أتحقق أني كتبتُ مخطئا وغير مصيب، و متى حُفظ على ما ينافي هذا الخط وهذا الاقرار فلإمام المسلمين مكافأتى على ذلك بما يوجبه الشرع من ردع ونكال، و إبعاد وغير ذلك، غير مجبر و لا مكره، وباطني وظاهري يعلم الله تعالى في ذلك سواء. قال الله تعالى: و من عاد فينتقم الله منه و الله عزيز ذو انتقام- سورة المائدة/45 - وكتب يوم الاربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين و أربعمائة ) ) [2] .
فهذا النص شاهد على أن ابن عقيل اعترف صراحة، بأنه كان يقول بكذا، و هو الآن تبين له خطؤه فيما ذهب إليه من موقفه من التأويل، و المعتزلة و الحلاج، و عليه فهو قد تاب عن ذلك و غيّر موقفه، و عاد إلى مذهب أصحابه عن اقتناع، من دون إكراه و لا إجبار، و هو يقول بذلك ظاهرا و باطنا. فالرجل باعترافه هذا قد وضع حدا للتأويلات و التخمينات التي يمكن تُقال عن سبب توبته. و يزيد ذلك تأكيدا و قوة حال ابن عقيل بعد توبته، فلم يعد إلى مذهب المعتزلة، و لا إلى
(1) الحديث ضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني. السلسلة الضعيفة، مكتبة المعارف، الرياض ن دت، ج 4 ص: 340، الحديث رقم: 1862.
(2) ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 275 - 276. و ابن رجب البغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، حققه سامي الدهان، و هنري لاوست، المعهد الفرنسي، دمشق، 1951، ج 1 ص: 145.