فهذا نص صريح ينفي عن القاضي أبي يعلى الفراء ما اتهمه به خصومه، لكن الخلل دخله من أنه كان ضعيفا في علم الحديث، لا يُميّز بين صحيح الأحاديث من سقيمها، فروى الضعيف و الواهي و الموضوع دون تمييز، و بنى عليه كتابه [1] . لذا فإن كتابه هذا يجب الحذر منه عند الاستفادة منه، و لا يُؤخذ بأحاديثه و نصوصه إلا بعد تحقيقها. علما بأن الانتقادات التي وُجهت لأبي يعلى الفراء، سببها الخطأ في تطبيق المنهج، و ليس سببها فساد المنهج و خطئه، فمنهجه صحيح شرعا و عقلا، و قد أشار إلى ذلك القاضي أبو يعلى فيما نقله عنه ولده أبو الحسين.
و أُشير هنا إلى أمر هام جدا مفاده أن السبب الرئيسي الذي جعل ابن الأثير يتخذ موقفا متشددا من أبي يعلى و كتابه، هو الاختلاف في تحديد مفهوم التشبيه بين الأشاعرة، و الحنابلة- و أهل الحديث عامة-، فالتشبيه عند الحنابلة و أصحاب الحديث هو أن يُقال: يد الله كيد الإنسان، و سمعه كسمعه، و أما إذا قيل: لله يد ليست كيد الإنسان، و بصره ليس كبصره، فهذا ليس تشبيها. و أما الأشاعرة فالتشبيه عندهم هو إثبات الصفات الخبرية التي وردت في الكتاب و السنة، كالاستواء على العرش، و النزول، و لا يعدون الصفات السبع التي أثبتوها تشبيها [2] .
و قد كان لهذا الاختلاف في مفهوم التشبيه بين الأشاعرة و أهل الحديث، الأثر السيئ في علاقة الطرفين فيما بينهما، و في اشتداد النزاع و تطوّره إلى مواجهات دامية. من ذلك أنه عندما قرأ الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي (ت 600 هجرية) شيئا من أحاديث الصفات من صحيح البخاري بالجامع الأموي بدمشق، تألب عليه جماعة من الأشاعرة، و اتهموه بالتشبيه و التجسيم، و رفعوا أمره إلى والي دمشق، الذي أمر بنفيه من دمشق [3] . فالحافظ لا يرى تشبيها في قراءة أحاديث البخاري في الصفات، و هم يرونها تشبيها و تجسيما!! و لا شك أن المفهوم الصحيح لمعنى التشبيه، هو ما ذهب إليه أهل الحديث و ليس الأشاعرة، لأن مفهومهم -أي أهل الحديث- مأخوذ من قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )- الشورى/11 - ، فهو سبحانه سميع بصير، لكن صفاته لا تشبه صفات مخلوقاته.
و أما الشاهد الثالث - بالمتعلق بالتعليل و الاتهام- فيخص توبة المتكلم أبي الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي (ت 513 هجرية) ، و مفاده أن ابن الأثير ذكر أن ابن عقيل اشتغل في حداثة سنه على المتكلم المعتزلي أبي الوليد البغدادي، فأراد الحنابلة قتله، فاستجار بحي باب المراتب من بغداد عدة سنين، ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور [4] .
و معنى ذلك أن ابن الأثير علل إظهار ابن عقيل التوبة، بأنه فعل ذلك ليخرج مما هو فيه، و يسترجع حريته، و يعيش حياة طبيعة، و تعليله هذا وارد نظريا و قد يكون مقبولا. لكن توجد احتمالات أخرى مقبولة هي أيضا، كأن يُقال: إن إحساس ابن عقيل بالذنب لما أحدثه من شقاق، و نزاع، و اقتتال بين أصحابه ربما كان من أسباب توبته. كما أن خوفه على نفسه من أن يُقتل - بعدما أهدر أصحابه دمه، و اشتدوا في طلبه- قد يكون من أسباب توبته أيضا. كما أنه ربما كان -أثناء المحنة
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 18 ص: 90. و الصفدي صلاح الدين: الوافي بالوفيات، حققه س. د. رينغ، المطبعة الهاشمية، دمشق، 1959،ج 4 ص: 864.
(2) خالد كبير علال: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، ط 1، دار الإمام مالك، الجزائر، 2005، ص: 188.
(3) الذهبي: السير، ج 21 ص: 464.
(4) الكامل، ج 9 ص: 190.